عندما تخطئ الحكومات في اختيار المسؤولين
حاتم القرعان
29-04-2026 08:43 PM
ليست الأخطاء الكبرى تلك التي تُرتكب على مرأى من الجميع، بل تلك التي تُزرع بهدوء في التعيينات، حين يُسلَّم زمام القيادة لمن لا يملك بوصلة، ولا يعرف من الطريق سوى اسمه. هناك، وفي تلك اللحظة الصامتة التي تُغَلَّب فيها الواسطة على الكفاءة، يبدأ الشرخ الدقيق الذي لا يُرى، لكنه يمتد لاحقًا كصدعٍ في جدار المؤسسة حتى يكاد يُسقطها بأكملها.
ومما لا شك فيه أنه حين تتسلل المحسوبية إلى مواقع القرار، لا تدخل وحدها، بل تصحب معها قافلة من الضعف أسرد أمثله منها لا الحصر أولها ضعف في الإدارة، وضعف في الرؤية، وفي حسم القرار، وفي القدرة على تهذيب المرؤوسين وصقلهم.
إذ يصبح المسؤول بدل أن يكون قامة يُقاس بها الانضباط يصبح مجرد ظلٍ باهتٍ لموقعٍ أكبر منه، فيتراجع الاحترام، وتذوب الحدود بين الجد والهزل، ويتحوّل النظام إلى نصٍ قابلٍ للتأويل، لا قاعدة تُحتَرم.
فالإدارة الضعيفة لا تصنع فريقًا، بل تخلق فوضى مُهذّبة في ظاهرها، متآكلة في جوهرها ، وفي نفس الوقت يشعر الموظف المجتهد أن جهده يُسحَب من تحته كما تُسحب الأرض من تحت قدم المسافر، فيفقد الحافز، بينما يتقدم الأقل كفاءة بثقةٍ مصطنعة، مستندًا إلى سندٍ لا علاقة له بالعمل.
وهكذا، من خلال سياسة الاختيار يُكافأ التقصير، ويُهمَّش الإتقان، فيختل الميزان الذي تقوم عليه أي مؤسسة حية.
ولا يقف الأمر عند حدود الداخل، بل تمتد آثاره إلى صورة المؤسسة في عيون الناس.
فالمؤسسة التي يُدار دفتها بعشوائية الاختيار، تبدو كمن يسير في ضبابٍ كثيف، تتخبط قراراتها، وتفقد قدرتها على كسب الثقة.
ومع مرور الوقت، تتحول من كيانٍ يُفترض أن يكون مصدر استقرار، إلى عبءٍ يُثقل كاهل من يتعامل معها.
إن تجاهل أسس الاختيار ليس مجرد خطأ إداري، بل هو تفريط في مستقبل المؤسسة. فالكفاءة ليست رفاهية، بل ضرورة، والخبرة ليست زينة، بل عمود ارتكاز.
وحين يُستبدل ذلك كله بمعايير القرابة والمجاملة، فإننا لا نختار مسؤولًا، بل نُعيّن أزمة مؤجلة.
ومن أكثر ما يُغفل في هذا السياق، عدم دراسة طبيعة المنطقة التي تعمل فيها المؤسسة، وخصائص أهلها، وثقافتهم، واحتياجاتهم. فالمسؤول الذي لا يفهم بيئته، يشبه بحّارًا يجهل حركة المد والجزر، مهما بلغت ثقته بنفسه، فإنه محكوم بالارتطام.
فلكل منطقة روحها الخاصة، وإيقاعها المختلف، وأي إدارة لا تنسجم مع هذا الإيقاع، تظل غريبة، عاجزة عن التأثير الحقيقي وهذا ما نجده بكثره في مؤسساتنا للأسف.
إن القيادة ليست مجرد منصب، بل مسؤولية تتطلب فهمًا عميقًا للناس قبل الأنظمة، وللواقع قبل النصوص.
وعندما تُبنى القرارات على غير هذا الأساس، تصبح المؤسسة كجسدٍ بلا قلب، يتحرك، لكنه لا يعيش.
وفي نهاية المطاف تبدو المؤسسات كحدائقَ لا تزهر إلا حين يُسقى ترابها بماء الكفاءة، لا بمحاباة العلاقات.
فالمسؤول الحقّ هو من يعرف كيف يُنبت في الأرض نظامًا، وفي النفوس انضباطًا، وفي العمل روحًا.
وحين يُختار في غير موضعه، تذبل الأوراق قبل أوانها، ويخفت اللون، ويغيب العطر. أما حين يُوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، تعود الحياة لتنبض، ويستقيم المسار كأن شيئًا لم ينكسر.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين .