حين تصبح الكرامة خبرًا عابرًا… وتغيب العدالة خلف الكاميرات
صالح الشرّاب العبادي
30-04-2026 01:00 AM
ليس ما نراه اليوم سلسلة أحداثٍ عابرة يمكن تجاوزها ببيانٍ توضيحي أو اعتذارٍ مقتضب، بل مشهدٌ متكامل تتداخل فيه الوقائع لتكشف عن سؤالٍ أكبر: من يحمي كرامة المواطن حين تتكرر الإهانة بصيغٍ مختلفة، ويغيب الرد الحاسم؟ من يضبط الإيقاع حين يصبح الخطأ عادياً، والتجاوز قابلاً للتبرير، والصمت هو الخاتمة المعتادة لكل قصة؟ هنا تحديداً يبدأ الحديث الجاد، لا عن حادثة بعينها، بل عن بنيةٍ كاملة تُنتج هذه الحوادث وتعيد تدويرها.
ليست المسألة في حادثة هنا أو زلة هناك، وليست في اسمٍ بعينه أو قصةٍ عابرة، بل في حالةٍ عامة تتشكل بهدوء وتترسخ بثبات، حالة عنوانها الأوضح: التآكل البطيء في علاقة الثقة بين المواطن ومحيطه العام. ما يبدو للوهلة الأولى كـ”روايات متفرقة” ليس سوى حلقات في سلسلة واحدة، تتشابه في الجوهر وإن اختلفت في التفاصيل، تبدأ بإساءة لفظية أو سلوك متعالٍ، تمرّ بتبرير باهت، وتنتهي بصمتٍ ثقيل، وكأن شيئاً لم يكن. لكن الذاكرة الجمعية لا تمحو، بل تراكم، وتبني فوق كل حادثة إدراكاً جديداً بأن الخلل لم يعد استثناءً بل أصبح نمطاً قابلاً للتكرار.
حين يُهان المواطن في مناسبة وطنية، وحين يُختزل احترام الناس إلى وجهة نظر شخصية، وحين تتحول المسؤولية إلى امتيازٍ يُمارس من فوق لا واجبٍ يُؤدى من أجل الجميع، فإن الرسالة التي تتسرب إلى الوعي العام أخطر بكثير من أي تصريح أو سلوك منفرد. الرسالة تقول ببساطة: هناك من هو فوق المساءلة، وهناك من يُطلب منه فقط أن يلتزم الصمت والانضباط. وهنا تحديداً يبدأ الشرخ الحقيقي، ليس بين الناس والدولة، بل بين الناس وفكرة العدالة ذاتها.
المشكلة ليست في أن تُخطئ شخصية عامة أو أن يتجاوز فرد، فكل المجتمعات تعرف الأخطاء وتتعامل معها، لكن الفارق الجوهري يكمن في كيفية الاستجابة. حين يغيب الميزان، وتصبح المعايير انتقائية، ويتحول الاعتذار إلى خيار لا ضرورة، والمحاسبة إلى استثناء لا قاعدة، فإننا لا نكون أمام أزمة أخلاق فردية، بل أمام خلل بنيوي في منظومة القيم العامة. هذا الخلل لا يُرى فوراً، لكنه يُشعر، ويتحول مع الوقت إلى حالة احتقان صامتة، أشد خطراً من أي غضب معلن.
وفي خضم هذا المشهد، تتصدر “قصة الكاميرات” بوصفها رمزاً، لا أداة. ليست القضية في وجود الكاميرا بحد ذاته، فالدول الحديثة تقوم على أدوات رقابية وتقنية لضبط الأمن وحماية المجتمع، لكن الإشكالية تظهر حين يشعر المواطن أن هذه الأدوات لا تُستخدم بالعدالة نفسها على الجميع. حين تُسلط العدسة على سلوك الفرد العادي بكل دقة، بينما تغيب عن تجاوزات أصحاب النفوذ، تتحول الكاميرا من رمزٍ للحماية إلى رمزٍ للاختلال، ومن وسيلة تنظيم إلى أداة تذكير يومي بعدم التكافؤ.
وهنا تتكشف المفارقة المؤلمة: يُطلب من المواطن أن يكون مثالياً في التزامه، دقيقاً في سلوكه، خاضعاً للقانون في أدق التفاصيل، بينما يرى أمامه نماذج لا تخضع للمعيار ذاته. هذه الازدواجية لا تُنتج احتراماً، بل تُنتج نفوراً، ولا تعزز الانتماء، بل تضعفه، لأن الانتماء لا يُبنى على الشعارات، بل على الإحساس العميق بالعدالة. حين يشعر الإنسان أن كرامته مصانة، وأن صوته مسموع، وأن القانون يحميه كما يُلزمه، فإنه يصبح شريكاً في الاستقرار، لا مجرد متلقٍ للأوامر.
إن أخطر ما في المشهد ليس حجم الأخطاء، بل اعتيادها، وليس تكرارها فحسب، بل تقبّلها كجزء من الواقع. حين تصبح الإهانة خبراً ليوم واحد، ثم تُنسى، وحين يتحول الاستهتار إلى مادة للنقاش لا للمحاسبة، فإننا نكون أمام انزلاق تدريجي في الحس العام، حيث يفقد المجتمع تدريجياً قدرته على رفض ما يجب أن يُرفض. وهذا هو المنعطف الحقيقي الذي يجب التوقف عنده، لأن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل حين تتنازل عن حساسيتها تجاه الخطأ.
في هذا السياق، لا يمكن اختزال الغضب الشعبي على أنه مبالغة أو تضخيم، بل هو انعكاس طبيعي لشعورٍ متراكم بأن هناك خللاً في المعادلة. المواطن لا يطلب امتيازاً، ولا يبحث عن صدام، بل يريد وضوحاً: معيار واحد يُطبق على الجميع، كرامة لا تُمس، ومسؤولية تُقابل بالمحاسبة. هذه ليست مطالب سياسية معقدة، بل بديهيات أي عقد اجتماعي سليم.
ولذلك، فإن إعادة التوازن لا تبدأ بتبرير الوقائع، ولا بتجميل الصورة، بل بالاعتراف بأن هناك مشكلة حقيقية تحتاج إلى معالجة جادة. تبدأ بإعادة الاعتبار لفكرة أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الاحترام ليس خياراً بل واجب، وأن القانون لا يفقد قيمته حين يُطبق، بل حين يُنتقى. وتبدأ قبل كل ذلك بإدراك أن الكاميرا، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تبني ثقة، وأن الثقة لا تُفرض، بل تُكتسب عبر العدالة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها: الشعوب لا تختبر صبرها إلى ما لا نهاية، والثقة إذا اهتزت لا تُعاد بالشعارات، بل بالأفعال. وما بين كل تلك الروايات التي تتكرر، تبقى رواية واحدة هي الأهم، ليست رواية الكاميرات، ولا التصريحات، بل رواية الكرامة، لأنها إن حُفظت استقام كل شيء، وإن مُسّت، فلن تُصلحها ألف كاميرا ولا ألف تبرير.