facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عيد العمال


د. بركات النمر العبادي
30-04-2026 12:22 PM

عيد العمال ، الذي يطلّ مع مطلع أيار من كل عام ، ليس مجرد مناسبة زمنية عابرة ، بل هو لحظة مراجعة أخلاقية وسياسية لفكرة العمل ذاتها : كيف نراه ، وكيف نمارسه ، وكيف نحمي كرامة الإنسان من أن تذوب في منطق المنفعة الصرف ، في هذه اللحظة ، لا يُستحضر العامل بوصفه رقماً في معادلة الإنتاج ، بل كحامل لمعنى الاستقرار، وحارس صامت لفكرة الدولة حين تُبنى على عرق أبنائها لا على شعاراتها.

في هذا السياق ، يقدّم الفكر المحافظ الأردني قراءة مختلفة لعيد العما ل؛ قراءة لا تفصل العمل عن منظومة القيم التي تأسست عليها الدولة الأردنية : الكرامة ، والانضباط ، والعدالة المتدرجة ، والولاء للمصلحة الوطنية العليا ، فالعمل ، في هذا التصور، ليس ساحة صراع طبقي بقدر ما هو عقد أخلاقي واجتماعي بين العامل والدولة وصاحب العمل ، عقدٌ يقوم على التوازن لا المغالبة ، وعلى الاستقرار لا الفوضى ، ومن هنا ، فإن تكريم العامل لا يتحقق بإثارة التوتر، بل بتعزيز بيئة آمنة تحمي الإنتاج وتضمن الحقوق في آنٍ معاً.

غير أن المفارقة التي تفرض نفسها بوضوح ، أن العامل في كثير من الأحيان لا ينال من هذا اليوم سوى اسمه ؛ إذ تستمر عجلة العمل دون توقف ، وتبقى الحاجة أقوى من الرمز. وهذا لا يُفهم بالضرورة كإخفاق بقدر ما يعكس طبيعة الاقتصاد الحديث وقطاعات لا تعرف التعطيل ، لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة : أن لا يتحول الاحتفاء إلى طقس لغوي ، بل إلى سياسات تُخفف العبء وتمنح العامل شعوراً فعلياً بأن كرامته مصونة لا مؤجلة.

ومن زاوية أعمق ، ينسجم هذا التصور مع البعد الإسلامي لقيمة العمل ، حيث يتجاوز العمل كونه ضرورة اقتصادية ليغدو فعلاً أخلاقياً ذا بعد تعبدي ، فالإنسان في الرؤية الإسلامية مستخلف في الأرض ، والعمل أحد تجليات هذا الاستخلاف ، وهو ليس فقط وسيلة للرزق ، بل معيار للصدق والإتقان ، كما في قوله تعالى : "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". هنا ، تتكامل الرؤية المحافظة مع البعد الديني في تأكيدها أن قيمة العمل لا تُختزل في الأجر، بل تمتد إلى المعنى، إلى الإتقان ، وإلى العدالة في إعطاء الحقوق : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".

وعلى الصعيد الوطني ، يظهر الاهتمام الأردني بالعمل والعمال بوصفه خياراً استراتيجياً لا مجرد استجابة ظرفية ، فقد سعت الدولة إلى بناء منظومة تشريعية تنظم سوق العمل وتحمي أطرافه ، من خلال قوانين تضبط سن العمل وتمنع الاستغلال ، وتنظم ساعات العمل بما يحفظ التوازن بين الإنتاج والحياة ، وتمنح المرأة العاملة حماية خاصة تعكس وعياً بدورها الاجتماعي ، إلى جانب تنظيم عمل الأحداث ضمن ضوابط إنسانية وقانونية واضحة ، وهذه التشريعات ، في منظور محافظ ، ليست فقط أدوات قانوني ، بل تعبير عن فلسفة دولة ترى في الاستقرار الاجتماعي شرطاً لازماً لأي تنمية مستدامة.

ومع ذلك ، فإن قوة التشريع تقاس بمدى حضوره في الواقع ، لا بجماليته النصية ، فالفجوة بين النص والتطبيق ، إن وجدت ، لا تُعالج بالشعارات ، بل بتعزيز ثقافة الالتزام ، وتفعيل أدوات الرقابة ، وترسيخ وعي مجتمعي يعتبر احترام حقوق العامل جزءاً من احترام الدولة نفسها.

في المحصلة ، يتبدى عيد العمال كمرآة تعكس توازنات دقيقة : بين الحق والواجب ، بين الإنتاج والكرامة ، بين الاقتصاد والقيم ، وهو ، في الوعي المحافظ الأردني ، ليس دعوة لقطيعة أو صراع ، بل مناسبة لتجديد العهد بأن العمل سيبقى ركيزة الاستقرار، وأن العامل سيظل في قلب المشروع الوطني ، لا على هامشه ، وبين الفلسفة التي ترى في العمل جوهر الوجود الإنساني ، والدين الذي يرفعه إلى مقام العبادة ، والدولة التي تسعى لتنظيمه وحمايته ، تتشكل معادلة لا يكتمل معناها إلا حين يشعر العامل أن هذا اليوم كُتب له ، لا عنه.

حمى الله الاردن و سدد على طريق الحق خطاه

* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :