عيد العمال ، الذي يطلّ مع مطلع أيار من كل عام ، ليس مجرد مناسبة زمنية عابرة ، بل هو لحظة مراجعة أخلاقية وسياسية لفكرة العمل ذاتها : كيف نراه ، وكيف نمارسه ، وكيف نحمي كرامة الإنسان من أن تذوب في منطق المنفعة الصرف ، في هذه اللحظة ، لا يُستحضر العامل بوصفه رقماً في معادلة الإنتاج ، بل كحامل لمعنى الاستقرار، وحارس صامت لفكرة الدولة حين تُبنى على عرق أبنائها لا على شعاراتها.
في هذا السياق ، يقدّم الفكر المحافظ الأردني قراءة مختلفة لعيد العما ل؛ قراءة لا تفصل العمل عن منظومة القيم التي تأسست عليها الدولة الأردنية : الكرامة ، والانضباط ، والعدالة المتدرجة ، والولاء للمصلحة الوطنية العليا ، فالعمل ، في هذا التصور، ليس ساحة صراع طبقي بقدر ما هو عقد أخلاقي واجتماعي بين العامل والدولة وصاحب العمل ، عقدٌ يقوم على التوازن لا المغالبة ، وعلى الاستقرار لا الفوضى ، ومن هنا ، فإن تكريم العامل لا يتحقق بإثارة التوتر، بل بتعزيز بيئة آمنة تحمي الإنتاج وتضمن الحقوق في آنٍ معاً.
غير أن المفارقة التي تفرض نفسها بوضوح ، أن العامل في كثير من الأحيان لا ينال من هذا اليوم سوى اسمه ؛ إذ تستمر عجلة العمل دون توقف ، وتبقى الحاجة أقوى من الرمز. وهذا لا يُفهم بالضرورة كإخفاق بقدر ما يعكس طبيعة الاقتصاد الحديث وقطاعات لا تعرف التعطيل ، لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة : أن لا يتحول الاحتفاء إلى طقس لغوي ، بل إلى سياسات تُخفف العبء وتمنح العامل شعوراً فعلياً بأن كرامته مصونة لا مؤجلة.
ومن زاوية أعمق ، ينسجم هذا التصور مع البعد الإسلامي لقيمة العمل ، حيث يتجاوز العمل كونه ضرورة اقتصادية ليغدو فعلاً أخلاقياً ذا بعد تعبدي ، فالإنسان في الرؤية الإسلامية مستخلف في الأرض ، والعمل أحد تجليات هذا الاستخلاف ، وهو ليس فقط وسيلة للرزق ، بل معيار للصدق والإتقان ، كما في قوله تعالى : "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". هنا ، تتكامل الرؤية المحافظة مع البعد الديني في تأكيدها أن قيمة العمل لا تُختزل في الأجر، بل تمتد إلى المعنى، إلى الإتقان ، وإلى العدالة في إعطاء الحقوق : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
وعلى الصعيد الوطني ، يظهر الاهتمام الأردني بالعمل والعمال بوصفه خياراً استراتيجياً لا مجرد استجابة ظرفية ، فقد سعت الدولة إلى بناء منظومة تشريعية تنظم سوق العمل وتحمي أطرافه ، من خلال قوانين تضبط سن العمل وتمنع الاستغلال ، وتنظم ساعات العمل بما يحفظ التوازن بين الإنتاج والحياة ، وتمنح المرأة العاملة حماية خاصة تعكس وعياً بدورها الاجتماعي ، إلى جانب تنظيم عمل الأحداث ضمن ضوابط إنسانية وقانونية واضحة ، وهذه التشريعات ، في منظور محافظ ، ليست فقط أدوات قانوني ، بل تعبير عن فلسفة دولة ترى في الاستقرار الاجتماعي شرطاً لازماً لأي تنمية مستدامة.
ومع ذلك ، فإن قوة التشريع تقاس بمدى حضوره في الواقع ، لا بجماليته النصية ، فالفجوة بين النص والتطبيق ، إن وجدت ، لا تُعالج بالشعارات ، بل بتعزيز ثقافة الالتزام ، وتفعيل أدوات الرقابة ، وترسيخ وعي مجتمعي يعتبر احترام حقوق العامل جزءاً من احترام الدولة نفسها.
في المحصلة ، يتبدى عيد العمال كمرآة تعكس توازنات دقيقة : بين الحق والواجب ، بين الإنتاج والكرامة ، بين الاقتصاد والقيم ، وهو ، في الوعي المحافظ الأردني ، ليس دعوة لقطيعة أو صراع ، بل مناسبة لتجديد العهد بأن العمل سيبقى ركيزة الاستقرار، وأن العامل سيظل في قلب المشروع الوطني ، لا على هامشه ، وبين الفلسفة التي ترى في العمل جوهر الوجود الإنساني ، والدين الذي يرفعه إلى مقام العبادة ، والدولة التي تسعى لتنظيمه وحمايته ، تتشكل معادلة لا يكتمل معناها إلا حين يشعر العامل أن هذا اليوم كُتب له ، لا عنه.
حمى الله الاردن و سدد على طريق الحق خطاه
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي