أمام الحكومة: الاستثمار في العمل التطوعي بوابةٌ لتعزيز التنمية المستدامة
د. عمر عكاشة المقابلة
30-04-2026 01:13 PM
لم يعد الاستثمار في العنصر البشري خيارًا ثانويًا في سياسات الدول الحديثة، بل غدا الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي حقيقي ومستدام. وفي هذا السياق، يبرز العمل التطوعي كأحد أهم الأدوات الفاعلة التي يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة، وتدفع بعجلة التنمية إلى آفاق أوسع وأكثر شمولًا.
فالعمل التطوعي لا يقتصر أثره على تقديم خدمات آنية أو سد فجوات مؤقتة، بل يتجاوز ذلك ليُسهم في بناء الإنسان ذاته؛ إذ يتيح للأفراد اكتساب مهارات عملية، وتعزيز وعيهم المجتمعي، وصقل قدراتهم القيادية والتنظيمية. كما تلعب منظمات المجتمع المدني دورًا محوريًا في نشر ثقافة التطوع، وترسيخ قيم العطاء والانتماء، بما يعزز التماسك المجتمعي ويحد من مظاهر التفكك.
غير أن تحقيق هذه الغايات لا يمكن أن يتم بمعزل عن دور حكومي فاعل ومؤسسي. فالتجارب الدولية تثبت أن العمل التطوعي يزدهر حينما تتبناه الحكومات ضمن سياساتها العامة، وتعمل على تنظيمه وتحفيزه وربطه بمسارات التنمية الوطنية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تبني برنامج وطني شامل للعمل التطوعي، يكون مدعومًا بإطار تشريعي وتنظيمي واضح، يضمن استدامته ويعظم أثره.
ومن المقترحات العملية في هذا المجال، إنشاء وحدة للمشاركة الوطنية ضمن رئاسة الوزراء، ترتبط بشكل مباشر بمختلف الوزارات والدوائر الحكومية وسجل الجمعيات، على أن تكون بإشراف أحد وزراء الدولة لضمان المتابعة والتنسيق المستمر. وتُعنى هذه الوحدة بتوثيق الجهود التطوعية، وإدارة قاعدة بيانات وطنية تُعرف بـ"سجل المشاركة الوطنية"، تُرصد فيه إسهامات الأفراد في مختلف الأنشطة والمبادرات.
ويُشكل هذا السجل أداة تحفيزية فعّالة، إذ يمكن ربطه بمنظومة الحوافز الحكومية، بحيث يُمنح المشاركون نقاطًا إيجابية تُؤخذ بعين الاعتبار في العديد من المجالات، مثل: الحصول على القروض الجامعية، القبول في برامج الدراسات العليا، فرص التوظيف، والترقيات في القطاع العام، إضافة إلى التقييمات الأكاديمية والمهنية. وبهذا، يتحول العمل التطوعي من نشاط هامشي إلى عنصر مؤثر في المسار الوظيفي والاجتماعي للفرد.
ولا يقتصر أثر هذا التوجه على الجوانب الاجتماعية فحسب، بل يمتد ليشمل البعد الاقتصادي؛ إذ إن تنظيم العمل التطوعي ودمجه في منظومة الإنتاج يسهم في خلق فرص عمل جديدة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ويؤدي إلى توسيع قاعدة المنتسبين للضمان الاجتماعي، مما ينعكس إيجابًا على الإيرادات الوطنية ويحفز النمو الاقتصادي.
إننا اليوم بأمسّ الحاجة إلى إنشاء إطار مؤسسي—سواء على شكل وحدة أو دائرة أو حتى وزارة—تُعنى بتنظيم العمل التطوعي وتقنينه وتحفيزه، بما يضمن مشاركة أوسع من مختلف فئات المجتمع. فالتطوع ليس ترفًا اجتماعيًا، بل استثمار استراتيجي في الإنسان، وأداة فعالة لتحقيق تنمية مستدامة متوازنة.
ختامًا، فإن بناء مجتمع متماسك واقتصاد قوي يبدأ من تمكين الإنسان وإشراكه، ولا سبيل إلى ذلك إلا من خلال سياسات واعية تُقدّر قيمة العمل التطوعي، وتُحوّله إلى رافعة حقيقية للتنمية الوطنية الشاملة.