من جبهة العمل الإسلامي إلى حزب الأمة… هل تبدّل الاسم أم تبدّل القناع؟
د. مثقال القرالة
30-04-2026 01:40 PM
في اللحظة التي أُعلن فيها عن تغيير اسم حزب جبهة العمل الإسلامي إلى حزب الأمة، استجابةً للمهلة القانونية التي أقرتها الهيئة المستقلة للانتخاب، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه انصياعٌ لنصٍّ تنظيميٍّ يهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء الحزبي بما ينسجم مع معايير الدولة الحديثة، التي لا تحتمل في بنيتها السياسية إشاراتٍ دينية أو طائفية أو ارتباطاتٍ عابرة للحدود. لكن، وبمجرد أن يهدأ صخب الإعلان، ويتراجع وهج الحدث، يطفو على السطح سؤالٌ أكثر عمقاً، وأكثر إلحاحاً، وربما أكثر إرباكاً: هل يمكن للاسم أن يغيّر الجوهر، أم أننا أمام إعادة طلاء لواجهةٍ بقيت جدرانها على حالها؟. التاريخ، ذلك الشاهد الصامت الذي لا يُخدع بالمصطلحات ولا تنطلي عليه الحيَل اللغوية، يخبرنا أن الأمم لا تُقاس بأسماء تنظيماتها، بل بمحتوى أفكارها، وأن التحولات الكبرى لا تبدأ من اللافتات، بل من العقول. كم من كياناتٍ أعادت تسمية نفسها مراراً، لكنها بقيت أسيرة ذات البنية الذهنية، وكم من شعاراتٍ تغيّرت ألفاظها، بينما ظلت مضامينها تدور في الحلقة ذاتها، تعيد إنتاج الخطاب نفسه بأدواتٍ جديدة، دون أن تمسّ جوهر الإشكالية التي صنعت الأزمة منذ البداية. إن المسألة هنا لا تتعلق بقرار إداري، ولا بامتثالٍ لنصٍّ قانوني فحسب، بل تتصل مباشرةً بسؤال المصداقية التاريخية. فهل نحن أمام مراجعة فكرية حقيقية، أم أمام محاولة لإعادة التموضع تحت ضغط التشريعات؟ وهل التحول الذي يُراد تسويقه هو تحول في البنية العميقة للفكر، أم مجرد إعادة صياغة لغوية تُراعي شروط المرحلة دون أن تغيّر من قناعاتها شيئاً؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالبيانات الرسمية، ولا بالشعارات المنمّقة، بل بالسلوك السياسي الفعلي، وبالخطاب الذي سيُنتج لاحقاً، وبالقدرة على الاندماج في مشروع وطني جامع لا يقوم على الفرز ولا على الاحتكار.
لقد عانى مجتمعنا، ولسنواتٍ ليست بالقصيرة، من وطأة خطابٍ مُحمّل بأثقال الأدلجة، خطابٍ لم يكتفِ بتقديم نفسه كخيارٍ سياسي، بل حاول أن يحتكر الحقيقة، وأن يُضفي على ذاته قداسةً تتجاوز حدود العمل العام إلى مساحاتٍ تمسّ وجدان الناس وعقائدهم. وهنا كانت الخطورة الحقيقية، لا في الاسم، بل في ذلك الامتزاج المربك بين الديني والسياسي، الذي حوّل الاختلاف إلى اصطفاف، والنقاش إلى تخندق، والمواطنة إلى ساحة اختبار للولاءات. وعندما تتدخل الدولة، عبر أدواتها الدستورية والتنظيمية، لتعيد ضبط المشهد، فهي لا تفعل ذلك بدافع التضييق، بل انطلاقاً من إدراكٍ عميق بأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تُدار بعقلية الجماعات المغلقة، ولا بخطاباتٍ تعلو فيها الهويات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة. إن اشتراط عدم توظيف الدين أو الطائفة أو الارتباطات الخارجية في تسمية الأحزاب ليس مجرد تفصيلٍ قانوني، بل هو إعلان صريح بأن المجال السياسي يجب أن يُبنى على برامج، لا على شعارات، وعلى رؤى، لا على عواطف.
ومع ذلك، يبقى جوهر القضية معلقاً في منطقةٍ لا تصلها النصوص القانونية بسهولة: منطقة القناعات. فالأفكار لا تُغيّرها القرارات، والمعتقدات لا يعاد تشكيلها بمهلٍ زمنية، والتحولات الحقيقية لا تُفرض من الخارج، بل تنبع من الداخل، من مراجعةٍ صادقة، ومن اعترافٍ شجاع بأن بعض المسارات لم تعد صالحة لزمنٍ تغيّرت معادلاته. وهنا تحديداً يتحدد الفرق بين من يغيّر اسمه ليتكيّف، ومن يغيّر فكره ليتطور.
نحن، كمجتمع، لسنا معنيين كثيراً بالأسماء بقدر ما نحن معنيون بالنتائج. فقد دفعنا أثماناً حقيقية نتيجة صراعاتٍ فكرية لم تُنتج إلا مزيداً من الانقسام، وأضعفت قدرتنا على التماسك في لحظاتٍ كانت تتطلب أعلى درجات الوحدة. ولم تكن المشكلة يوماً في لافتةٍ تُرفع أو تُنزل، بل في خطابٍ يُقصي، وفي فكرٍ يضيق بالاختلاف، وفي ممارسةٍ لا ترى في الآخر شريكاً، بل خصماً ينبغي تحجيمه أو تجاوزه. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاسم الجديد، بل في ما إذا كان هذا الاسم سيحمل معه تحولاً حقيقياً في الوعي، في اللغة، في الأولويات. هل سنرى خطاباً سياسياً يتحدث بلغة الدولة لا بلغة الجماعة؟ هل سنلمس انتقالاً من منطق الامتلاك إلى منطق الشراكة؟ هل ستُقدَّم البرامج على الشعارات، والكفاءة على الولاء، والمصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كان ما جرى هو مجرد تغيير شكلي، أم بداية لمسار مختلف.
إن الأمم التي تحترم تاريخها لا تُخدَع بسهولة، لأنها تعلم أن الزمن كفيل بكشف الفوارق بين المظهر والجوهر. وإن كان تغيير الاسم خطوةً أولى، فإن الطريق ما زال طويلاً، ومحفوفاً باختباراتٍ لا تنجح فيها إلا الإرادات الصادقة. أما إن بقي التغيير عند حدود اللغة، فإن الذاكرة الجمعية، بكل ما تحمله من تجارب، ستظل قادرة على التمييز بين ما يُقال وما يُمارس. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر بساطةً والأكثر قسوةً في آنٍ واحد: يمكن لأي كيانٍ أن يبدّل اسمه في لحظة، لكن تغيير ما في القلوب يحتاج إلى زمنٍ أطول، وإلى شجاعةٍ أكبر، وإلى صدقٍ لا يُقاس بالكلمات، بل بالأفعال. وبين الاسم القديم والجديد، يقف المجتمع مترقباً، لا يسأل عن الحروف التي تغيّرت، بل عن الأفكار التي يجب أن تتغير إن كان لهذا التحول أن يكون أكثر من مجرد إعادة تسمية.