عبدالرؤوف الروابدة… سيرة دولةٍ تُكتب بالحكمة وتُروى بالفعل
حاتم القرعان
30-04-2026 08:04 PM
حين تُستعاد ملامح الدولة الأردنية في ذاكرتها الحيّة، لا يمكن إلا أن يتقدّم اسم عبدالرؤوف الروابدة بوصفه أحد أعمدتها التي لم تُبنَ من حجرٍ وإسمنت، بل من فكرٍ وتجربةٍ وموقف. رجلٌ خرج من رحم البساطة، لكنه حمل تعقيد الدولة في عقله، ومشى بين الناس كما يمشي واحدٌ منهم، لا متعالياً ولا منقطعاً، بل متصلاً بخيوط الأرض التي يعرف تضاريسها كما يعرف ملامح وجهه.
وإذا ما اقتربنا من محطات نشاطه العام، نجد أننا أمام رجلٍ لا يعرف السكون، كأن في داخله محرّكاً لا يهدأ، يدفعه إلى الفعل حيث يتراجع الآخرون إلى التنظير. حضوره في الحياة السياسية لم يكن زخرفةً للمشهد، بل كان تدخلاً واعياً في صلب القضايا، حيث تُصنع القرارات وتُختبر الإرادات. كان يرى في كل موقعٍ مسؤوليةً لا امتيازاً، وفي كل فرصةٍ باباً لخدمة الوطن لا نافذةً للمكسب الشخصي، فبقي اسمه مرتبطاً بالفعل لا بالضجيج.
ومن هنا، يتجلّى حديثه عن “السردية الأردنية” كمن يكتب تاريخاً لا كمن يقتبسه. لم يكن حديثه ترفاً فكرياً أو استجابةً لموجةٍ عابرة، بل كان استدعاءً واعياً لهويةٍ تشكّلت عبر عقودٍ من التضحيات والإنجازات. كان يدرك أن الأمم التي تفقد سرديتها تفقد بوصلتها، وأن الأردن، بكل ما مرّ به، يحتاج إلى روايةٍ جامعةٍ تحمي ذاكرته من التشظي، وتمنح أجياله ثقةً بماضيهم وإيماناً بمستقبلهم. في كلماته، كانت السردية ليست حكاية تُروى، بل درعاً يُحمى به الوعي الوطني من التآكل.
حيث لا يعرف الدحنون الا من سكن القمم ك الصقور ..فالغربان لا تجيد الا النعيق.
وإذا انتقلنا إلى فضائه الاجتماعي، بدا الروابدة كأنه ابنُ كل بيت، لا ضيفٌ عليه. حضوره في النشاطات الاجتماعية لم يكن بروتوكولياً، بل كان امتداداً طبيعياً لشخصيته التي تؤمن أن الدولة لا تُبنى بالمؤسسات وحدها، بل بالعلاقات الإنسانية التي تُشيّد جسور الثقة بين الناس. كان يشارك أفراحهم وأتراحهم، كأنما يرى في كل مناسبةٍ خيطاً جديداً يُضاف إلى نسيج الوطن، ويُحسن قراءة المزاج الاجتماعي كما يُحسن قراءة النص السياسي.
ومن هذا المنطلق، يتعاظم دوره في الصلح العشائري، حيث تتجلى حكمته كشيخٍ يعرف كيف تُطفأ النار قبل أن تمتد. لم يكن وسيطاً عادياً، بل كان صانع سلامٍ يُدرك أن الكلمة قد تكون أبلغ من القانون، وأن المصافحة الصادقة قد تُعيد ما كسرته سنوات من الخصام. كان يدخل مجالس الصلح كما يدخل الطبيب غرفة العمليات، بهدوءٍ وثقة، حاملاً أدواته من الحكمة والخبرة، حتى إذا خرج، خرجت معه القلوب وقد تصالحت، والنفوس وقد هدأت.
وعند هذا الحدّ، لا يمكن النظر إلى الروابدة كشخصٍ في موقع، بل كحالةٍ في الوعي الأردني؛ حالةٌ تختصر فكرة الدولة حين تكون قريبةً من الناس، وقادرةً على جمعهم لا تفريقهم. لقد أثبت أن العمل العام ليس مجرد إدارة ملفات، بل هو فنٌّ في فهم الإنسان، وحكمةٌ في التعامل مع اختلافاته، وإيمانٌ بأن الوطن أكبر من أي خلاف.
وهكذا، تتكامل صورة الرجل: سياسيٌّ يعرف تعقيدات ومسارات القرار، ومفكرٌ يُدرك أهمية السردية، وفاعلٌ اجتماعيٌّ يحسن الإصغاء، ووسيطٌ عشائريٌّ يُتقن صناعة السلام. وفي زمنٍ تكثر فيه الأصوات وتقلّ فيه البصمات، يبقى عبدالرؤوف الروابدة من أولئك الذين تركوا أثراً لا يُمحى، لأنهم كتبوه لا بالحبر، بل بالفعل.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين .