facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هرمز .. حين يختنق العالم بفوضى القوة ويغيب صوت القانون


د. محمد بني سلامة
03-05-2026 12:41 PM

لم يكن إغلاق مضيق هرمز حدثاً عابراً يمكن إدراجه ضمن سلسلة التوترات التقليدية في الشرق الأوسط، بل كان لحظة فارقة كشفت هشاشة النظام الدولي، وعرت منطق القوة الذي بدأ يطغى على منطق القانون. فحين يُهدَّد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، الذي تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة النفط والغاز، فإن المسألة تتجاوز حدود الإقليم لتلامس استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.

لكن الأخطر من الحدث ذاته هو السياق الذي أنتجه. فإغلاق هرمز لم يأتِ من فراغ، ولم يكن نتيجة تصعيد لحظي فقط، بل هو ثمرة مباشرة لسياسات اختارت كسر قواعد اللعبة الدولية. وهنا، لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي لعبه دونالد ترامب، الذي أعاد صياغة السياسة الدولية بمنطق الصفقات والضغوط الأحادية، بعيداً عن التوافقات التي حكمت العالم لعقود.

لقد عبثت إدارة ترامب بالقانون الدولي بشكل غير مسبوق؛ انسحبت من اتفاقيات، وفرضت عقوبات خارج الأطر الجماعية، وتعاملت مع ملفات حساسة بعقلية “الضغط الأقصى” دون حساب لتداعيات ذلك على الاستقرار العالمي. هذه السياسات لم تضعف فقط الثقة بين الدول، بل أطلقت ديناميكيات تصعيدية دفعت المنطقة إلى حافة الانفجار، وجعلت من إغلاق مضيق هرمز احتمالاً واقعياً، بل وأداة سياسية قابلة للاستخدام.

إن الخطر الحقيقي في ما حدث لا يكمن في تعطيل الملاحة مؤقتاً، بل في تكريس سابقة خطيرة مفادها أن الممرات الدولية يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط في صراعات النفوذ. فإذا أصبح من المقبول سياسياً تهديد مضيق هرمز، فإن ذلك يعني أن مفهوم “حرية الملاحة” – أحد أعمدة النظام الدولي – بات مهدداً في جوهره. وهنا، لا يعود السؤال: متى يُفتح المضيق؟ بل: هل ما زال هناك نظام قادر على حمايته؟

إن عالم ما بعد ترامب يواجه تحدياً يتجاوز مجرد إدارة الأزمات؛ إنه أمام مهمة إعادة بناء الثقة في فكرة القانون الدولي ذاتها. هذه الثقة تآكلت بفعل سياسات قامت على فرض الإرادة بالقوة، وتجاهلت التوازنات الدقيقة التي تحفظ الاستقرار. إعادة الاعتبار للقانون الدولي تتطلب التزاماً حقيقياً من القوى الكبرى، لا شعارات دبلوماسية عابرة، بل سياسات تعيد ضبط الإيقاع العالمي على أساس القواعد، لا المزاج السياسي.

كما أن إعادة فتح مضيق هرمز لا يجب أن تُفهم كحل نهائي، بل كبداية لمسار أوسع يهدف إلى تحصين الممرات الحيوية من التلاعب السياسي. فالعالم لا يستطيع تحمل تكرار سيناريوهات الإغلاق والابتزاز، ولا يمكن للاقتصاد العالمي أن يبقى رهينة توترات يمكن احتواؤها لو احترمت قواعد اللعبة الدولية.

إن استعادة الاستقرار في الخليج، وضمان أمن الملاحة، يمران عبر مقاربة مختلفة: مقاربة تعترف بأن الأمن لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى على الثقة، والتوازن، واحترام القانون. وهذا يعني أيضاً إعادة النظر في السياسات التي قادت إلى الأزمة، وفي مقدمتها النهج الذي كرسه ترامب، والذي فتح أبواب الفوضى بدل أن يغلقها.

في المحصلة، ما حدث في هرمز ليس مجرد أزمة عابرة، بل إنذار مبكر بانزلاق العالم نحو مرحلة تتراجع فيها القواعد أمام القوة. وإذا لم يتم تدارك هذا المسار، فإن ما شهدناه قد لا يكون سوى بداية لسلسلة من الأزمات التي ستطال ممرات أخرى ومناطق أكثر حساسية.

إن العالم اليوم أمام خيار واضح: إما العودة إلى منطق القانون، أو الاستمرار في دوامة الفوضى. وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح النظام الدولي القادم، وتُرسم حدود الاستقرار أو الانهيار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :