التحديث السياسي: بين برلمان ضعيف وأحزاب غير مكتملة النضج
أروى الظاهر
04-05-2026 12:39 PM
يتجدد الأمل… ويتكرر المشهد في كل موسم انتخابي في الأردن، أحزاب تعلن جاهزيتها، مرشحون يرفعون سقف الوعود، وناخبون يمنحون فرصة جديدة، لكن ما إن تنتهي الانتخابات، حتى يبدأ سؤال أكثر إلحاحًا بالظهور: لماذا لا ينجح البرلمان في تمثيل الناس؟ ولماذا تفشل الأحزاب في إنتاج قيادات قادرة على تغيير هذا الواقع؟
المشكلة هنا لا تكمن في طرف واحد، بل في علاقة معقدة بين برلمان لم يكتمل دوره، وأحزاب لم تكتمل بنيتها.
من جهة، يبدو مجلس النواب وكأنه يعيد إنتاج ذاته في كل دورة، تمثيل انتخابي قائم، لكن تمثيل سياسي غائب، يصل العديد من النواب إلى المجلس لا بوصفهم حاملي برامج، بل باعتبارهم امتدادًا لشبكات اجتماعية أو جغرافية، وهنا تتحول وظيفة النائب تدريجيًا من مشرّع ورقيب إلى “وسيط خدمات”، ويصبح البرلمان مساحة لإدارة المطالب الفردية بدل أن يكون منصة لصياغة السياسات العامة.
لكن هذا المشهد لا يمكن فهمه بمعزل عن ضعف الحياة الحزبية، فالأحزاب، رغم الحراك الظاهر في تشكيلها وتوسّع عضويتها، لم تنجح بعد في التحول إلى مصانع حقيقية لإنتاج القيادات، هناك فرق جوهري بين استقطاب الأعضاء وبناء القيادات، وبين الحضور التنظيمي والقدرة الانتخابية، وهذا الفرق هو ما يفسر لماذا تدخل بعض الأحزاب الانتخابات بنوايا سياسية… لكنها تخرج بنتائج محدودة.
القيادة الانتخابية ليست مجرد موقع تنظيمي داخل الحزب، بل مهارة مركبة: فهم للناخب، قراءة للدائرة، إدارة للتحالفات، وصياغة لرسالة قادرة على الإقناع. هذه “الهندسة الانتخابية” ما تزال، في كثير من الحالات، غير مكتملة، النتيجة أن الأحزاب لا ترفد البرلمان بكتل قوية، بل بأفراد متفرقين، يعيدون إنتاج منطق العمل الفردي داخل المجلس.
وهنا تتشكل الحلقة المغلقة: برلمان ضعيف لأن الأحزاب ضعيفة، وأحزاب ضعيفة لأنها لا ترى في البرلمان منصة حقيقية للتأثير.
الأمر لا يتوقف عند ذلك، فتصميم الحوافز السياسية نفسه لا يشجع على التغيير، النائب يدرك أن فرص إعادة انتخابه مرتبطة أكثر بخدماته المباشرة، لا بأدائه الرقابي أو التشريعي، في المقابل، الحزب لا يمتلك دائمًا الأدوات أو الخبرة الكافية لتحويل مرشحيه إلى فاعلين انتخابيين قادرين على الفوز، وبين هذا وذاك، تضيع السياسة لصالح الحسابات الفردية.
كما أن العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لا تزال غير متوازنة، الحكومة، بحكم امتلاكها للقرار التنفيذي والموارد، تفرض إيقاعها، بينما يجد البرلمان نفسه في موقع رد الفعل، ومع غياب كتل حزبية متماسكة، يصبح من الصعب تشكيل معارضة منظمة أو حتى موالاة سياسية واضحة، فتتآكل وظيفة الرقابة تدريجيًا.
لكن ربما البعد الأكثر تعقيدًا يكمن في الثقافة السياسية نفسها، الناخب الذي يطلب خدمة، يعيد إنتاج نائب يقدم خدمة، والحزب الذي لا يملك قصة انتخابية واضحة، يترك المجال للمرشح الفرد ليملأ الفراغ بأدوات تقليدية، وهكذا، تستمر المنظومة في إنتاج ذاتها، دون اختراق حقيقي.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن المشهد مغلق بالكامل، هناك مؤشرات على مرحلة انتقالية: أحزاب تحاول تطوير أدواتها، ووعي متزايد لدى بعض الفاعلين بأهمية بناء قيادات انتخابية حقيقية، ونقاشات أعمق حول دور البرلمان ووظيفته.
لكن هذه المؤشرات لن تكون كافية دون تحولات حقيقية، أولها، أن تعيد الأحزاب تعريف دورها من “هياكل تنظيمية” إلى “منصات إنتاج قيادات”، عبر برامج تدريبية عملية تحاكي الواقع الانتخابي، لا تكتفي بالتنظير، ثانيها، أن يتم ربط الحضور السياسي للمرشح بقدرته على الفوز والتأثير، لا فقط بانتمائه الحزبي، وثالثها، أن يتم تعزيز العمل الكتلي داخل البرلمان، بما يسمح ببناء توازن فعلي مع الحكومة.
الأهم من ذلك كله، هو إعادة تعريف وظيفة النائب في الوعي العام: من وسيط خدمات إلى صانع سياسات، دون هذا التحول، ستبقى كل الإصلاحات شكلية.
في النهاية، قد لا تكون الأزمة في البرلمان وحده، ولا في الأحزاب وحدها، بل في المسافة بينهما، تلك المسافة التي لم تُملأ بعد بقيادات قادرة على ترجمة السياسة إلى تمثيل حقيقي.