سماحة القيادة وحكمة الأردنيين
محمد مطلب المجالي
11-05-2026 04:05 PM
في مشهدٍ لا يتقنه إلا الكبار، وفي نهجٍ لا يسلكه إلا أصحاب الرؤى الواسعة، يطلّ الأردن من جديد ليؤكد أن الدولة ليست ردّة فعل، ولا السياسة فيها تُدار بمنطق الانتقام أو تصفية الحسابات، بل بمنطق العقل الهادئ، والحلم الذي يسبق الغضب، والمصلحة الوطنية التي تعلو فوق كل اعتبار.
نعم… قد يسيء البعض، وقد يذهب في لحظة انفعال أو حسابات ضيقة إلى ما لا يليق، وقد تُقال كلمات جارحة أو تُتخذ مواقف قاسية، لكن ما يميز الدول العميقة الراسخة هو أنها لا تبني مستقبلها على لحظة انفعال، ولا تجعل من الإساءة جداراً لا يُتجاوز، إذا كان في تجاوزها مصلحة للوطن والناس.
هكذا هو المشهد حين تُدار الدولة بعقلية القيادة الواعية؛ فالأبواب لا تُغلق للأبد، والخصومة لا تتحول إلى قطيعة دائمة، ما دام هناك مجالٌ للحكمة، ومجالٌ لإعادة ترتيب الأولويات، ومجالٌ لاحتواء الجميع تحت سقف الوطن.
لسنا أمام ضعفٍ في الموقف، بل أمام قوةٍ من نوع آخر… قوةٍ تُمسك زمام النفس قبل القرار، وتُقدّم المصلحة العامة على الانفعال الشخصي، وتُدرك أن الوطن أكبر من الجميع، وأن السياسة الرشيدة لا تُبنى على الإقصاء بل على الاحتواء حين يكون ممكناً ومفيداً.
إنها سمة الأردنيين منذ البدايات؛ سماحة في التعامل، ومرونة في الموقف، وقدرة على تجاوز الجراح حين تقتضي الضرورة، لا نسياناً للتاريخ، بل قراءةً للمستقبل. فالأوطان لا تُبنى بالخصام الدائم، بل بجسورٍ تمتد حتى مع من اختلفنا معهم يوماً، إذا كانت المصلحة الوطنية تستدعي ذلك.
لكن في المقابل، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يدرك الجميع قيمة هذا الحلم؟ وهل يفهم كل من يُفتح له الباب أن الكرامة الوطنية ليست محل مساومة، وأن سماحة الدولة ليست ضعفاً، بل هي قمة القوة حين تُمارس بوعيٍ ومسؤولية؟
إنها رسالة مزدوجة؛ رحابة في القلب الأردني، وصلابة في جوهر الدولة. فمن يُفتح له الباب اليوم، لا بد أن يعي أن ما بعد الترحيب ليس كما قبله، وأن الثقة تُمنح لكنها تُقاس بالمواقف، وأن الوطن لا يُلدغ من الجحر مرتين.
وهكذا يبقى الأردن… دولة لا تُغلق أبوابها في وجه العودة العاقلة، ولا تتخلى عن حلمها في جمع الشمل ما دام ذلك في إطار الاحترام المتبادل وصون الكرامة الوطنية.
يا لسماحة القيادة وحكمة الأردنيين… ويا لهذا الحلم الذي يجعل من السياسة فنّاً راقياً، لا ساحة انتقام، ومن الدولة بيتاً واسعاً، لا جداراً ضيقاً.