حين يسقط الضمير .. لا تنفع الشهادات ولا المناصب
د. زياد الحجاج
12-05-2026 11:00 AM
ليست الكارثة فقط في يدٍ امتدت لتتحرش بطفل أو تنتهك براءة إنسان، بل الكارثة الحقيقية في مواطنٍ بدأ يفقد بوصلته التربوية والأخلاقية، وفي بيوتٍ غابت عنها المتابعة، وضعفت فيها الرقابة، وانشغل أهلها بصناعة المظاهر أكثر من صناعة الضمير.
فالمتحرش لا يولد مجرماً بين ليلة وضحاها، بل غالباً ما يكون نتاج سنواتٍ من الإهمال التربوي، والفراغ الأخلاقي، والتقصير في بناء الإنسان منذ طفولته. وحين يتحول شخص يحمل لقب “طبيب” أو “أستاذ” أو صاحب مكانة اجتماعية إلى مدانٍ بجريمة أخلاقية، فالمشكلة هنا ليست في المهنة، بل في الإنسان الذي فشل الجميع في تهذيب داخله قبل أن ينجح في تزيين خارجه.
كم هو مخيف أن نرى أشخاصاً يحملون أعلى الشهادات، ويتحدثون بلغة العلم والرقي، بينما تسكن داخلهم نفوسٌ مريضة، وسلوكيات منحرفة، وضمائر ماتت منذ زمن طويل.
الأم ليست مجرد تفصيل عابر في الأسرة، بل هي المصنع الأول للقيم والرحمة والخوف من الله، والأب ليس ماكينةً للإنفاق فقط، بل هو القدوة والرقيب وصانع الشخصية المتوازنة. وحين يغيب هذا الدور، يكبر بعض الأبناء بأجسادٍ ناضجة وعقولٍ متعلمة، لكن بأخلاقٍ مشوهة ونفوسٍ فارغة.
لقد أصبح بعض الناس يربّون أبناءهم على النجاح الشكلي فقط: شهادة، وظيفة، مظهر، نفوذ… بينما يغيب السؤال الأخطر:
هل ربّينا إنساناً يعرف حدود الله؟
هل ربّينا ضميراً يخاف من ظلم الناس وانتهاك كرامتهم؟
هل علّمنا أبناءنا أن الاحترام ليس خوفاً من القانون، بل خوفاً من الله أولاً؟
إن أخطر ما في الجرائم الأخلاقية أنها تُرتكب أحياناً بأيدٍ يرتدي أصحابها ثوب الاحترام الاجتماعي، فيخدع الناس بالمكانة واللقب، بينما الحقيقة أن الأخلاق لا تُقاس بالشهادات ولا بالمناصب، بل بما يختبئ في داخل الإنسان عندما يغيب الرقيب.
ولهذا، فإن مواجهة التحرش والانحراف لا تكون فقط عبر المحاكم والعقوبات، بل تبدأ من البيت… من التربية… من المدرسة… من غرس الضمير الحي والرقابة الذاتية والاحترام الحقيقي للإنسان.
نحن اليوم لا نحتاج فقط إلى تعليمٍ أقوى، بل إلى تربيةٍ أقوى.
لا نحتاج إلى تخريج أصحاب مناصب فقط، بل إلى صناعة بشرٍ أسوياء يعرفون معنى الكرامة والرحمة والحدود الأخلاقية.
فالأوطان لا يحميها المتعلمون فقط… بل يحميها أصحاب الضمائر الحية.
* الأمين العام لحزب البناء والعمل