المناعة الثقافية والسمعة الوطنية
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
14-05-2026 08:40 AM
ذكرت في المقال السابق ان قراءة متعمقة للتاريخ تظهر توفر ثلاثة شروط حتى لا تتحول الازمات و الصعوبات الاقتصادية و المعيشية الى مشاكل اجتماعية. هذه العوامل هي وجود مشروع او حلم و عقلية قيادية بتفكير نقدي ابداعي تحول المشروع الى اهداف متدرجة قابلة للتحقق تعطي الحماس و المعنى و الارادة و الرغبة بتطوير المعارف و المهارات و اما الشرط الثالث فهو ايصال الرسالة للجمهور المستهدف ضمن حدود قيمه و مصالحه و عواطفه اي نشر السمعة او الانطباع المناسب. هذه الالية تنطبق على الافراد و المؤسسات و الحكومات.
ظهور وسائل التواصل الاجتماعي و التحول الرقمي خلق تحدي و فرصة لتشكيل الانطباع او السمعة لسرعة انتشار المعلومة او الخبر و تشابك الافراد من مختلف المستويات العلمية و الثقافية. الاخبار السلبية و الاشاعات تنتشر كالنار في الهشيم و ما يطفئها هو الانطباع الاول الذي تشكل من نموذج بشكل واعي. الكثير من سياسات و مشاريع الدولة قد يتم تشويهها نتاج طريقة العرض و الاصطياد اذا لم تستخدم الاسلوب العلمي و هنا اقصد نافذة اوفيرتون و هي منهج علمي مبني على خطوات لتحويل اي فكرة او حدث او سياسة من طرح قد لا يكون مقبول اجتماعيا ليكون هو المرجعية. تستخدم نافذة اوفرتون احيانا لنشر فكر سلبي او لا يتناسب و قيم الدولة و المجتمع و هذه نلاحظها في الهجمات الثقافية التي تستهدف استقرار المجتمع الاردني و مزاجه العام. لكن بالمقابل يمكن استخدامه لاعادة بناء الثقة بسياسات او مؤسسات او افراد اذا توفر الشرطين الاول مشروع كبير و عقلية القائد الابداعية و ليس عقلية المدير النمطية.
نرى اليوم ان الدول تستثمر في بناء نموذج يخدم اهدافها و تحافظ عليه ولا تتركه لحماس مؤثرين او صفحات الكترونية او اعلامية تبحث عن الترند على حساب السمعة الوطنية و الصورة الانطباعية. فإذا كان الهدف جذب الاستثمار قدمت الدولة واحة امان و استقرار و بنية تحتية و ان كان الهدف جذب سياحة صحية او تعليمية قدمت البلد واحة امنه للطلبه و تنافس علمي و قبول للآخر و نبذ العنف و معايير صحية لا تسمح بتسلل غير المؤهلين الى واجهة القطاع الصحي.
المقصود انه لا يمكن الاعتماد على الوعي الفردي للحفاظ على النموذج فهنالك جهات من الخارج تستهدف و هنالك باحثون عن الشهرة و هنالك باحثون عن الترند و هنالك اعمار صغيرة منها من لا يعي تأثير خبر او صورة على اللحمة الوطنية.
النموذج الاردني اليوم هو الاعتدال و قبول الآخر و الاخلاق العربية الاصيلة و الانفتاح على الثقافات الاخرى دون التبعية لها و استقرار تضمنه قيادة هاشمية لم تعرف او تمارس الدموية و اجهزة امنية لها معايير و تصحح اي تصرف خارج المعايير من اي من افرادها و جيش غير عقائدي مؤمن بوطنه و موالي لقيادته. لكن اكتمال النموذج لا بد ان يكون بمخاطبة الوضع الداخلي و الذي هو مسؤولية الحكومة و الوزارات بشكل اساسي. هنا لا بد ان يكون الانجاز هو الحلم و الهدف و كل مؤسسة لها خصوصيتها فالثقافة تحتاج تعزيز الهوية و الاستقرار دون تشدد او تعصب بل مع الانفتاح على الآخر. التعصب انكفاء و خانق و الانفتاح المطلق تفكك و فوضى و الهدف تعزيز الموروث الاجتماعي الثقافي ليكون شبكة امان و استقرار (جذور) و الانفتاح لخلق بيئة للابداع. اما العمل و المؤسسات المرتبطه به فالهدف تجسير الهوة بين الشهادة و المعرفة النظرية من جهه و متطلبات سوق العمل داخليا و خارجيا اي التأهيل للتنافس من خلال الخبرة و الرقمية و اللغة الانجليزية. و اما التنمية الاجتماعية فالهدف بناء القدرات على الانتاج لما يحتاجه السوق الخارجي او يحل مشكلة لاقتصاد معين و يشجع على التصدير مع المعونة لتضييق جيوب الفقر.