المال العام بين هيبة الدولة وأخلاق المسؤولية
د. بركات النمر العبادي
16-05-2026 09:50 AM
* عندما تتحول يقظة المؤسسات إلى ضرورة وطنية لحماية الثقة العامة
ليست قيمة الدولة الحديثة فيما تملكه من موارد فحسب، بل في الطريقة التي تُدار بها تلك الموارد، وفي قدرتها على ترسيخ فكرة أن المال العام ليس غنيمة سياسية، ولا أداةً لتبادل المنافع، بل أمانة وطنية ترتبط مباشرة بهيبة الدولة وكرامة المجتمع وثقة الناس بمؤسساتهم ، فالدول التي تحترم نفسها لا تقيس نجاحها بحجم الإنفاق، وإنما بقدرتها على إخضاع كل دينار لمعيار القانون والعدالة والمصلحة العامة.
ومن هنا، فإن ما أثير مؤخراً حول ما وُصف بـ”العطايا الحكومية للنواب”، وما كشفه النائب مصطفى العماوي، لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد سجال سياسي عابر، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لفكرة الدولة الدستورية، وحدود العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ومقدار الالتزام الفعلي بأخلاقيات الحكم الرشيد.
لقد قام النائب مصطفى العماوي بدور يُحسب له وطنياً وبرلمانياً، حين وضع هذه القضية أمام الرأي العام، لأن وظيفة النائب في جوهرها ليست المجاملة ولا الصمت، وإنما حماية المال العام وممارسة الرقابة على أداء السلطة التنفيذية مهما كانت الحساسيات السياسية. فالمؤسسة البرلمانية تفقد معناها عندما تتحول من سلطة رقابية إلى شريك صامت في إدارة الامتيازات والمصالح.
وفي المقابل، فإن سرعة استجابة هيئة النزاهة ومكافحة الفساد للتحقيق في هذه القضية تمثل مؤشراً إيجابياً ومطمئناً على حيوية مؤسسات الدولة، وعلى أن الأردن، رغم التحديات، ما يزال يمتلك أجهزة قادرة على التفاعل مع القضايا التي تمس المال العام والثقة الوطنية ، فالدولة القوية ليست تلك التي تخلو من الأخطاء ، بل تلك التي تمتلك الشجاعة المؤسسية لمراجعة نفسها ومحاسبة المقصرين وفق القانون ، وانه ومن باب المصداقية يجب نشر اسماء المتورطين من وزراء و نواب وموظفين عاميين بعد ثبوت التهم عليهم
غير أن جوهر المسألة يتجاوز الأشخاص والأسماء، ليصل إلى سؤال فلسفي أعمق يتعلق بطبيعة السلطة نفسها : هل السلطة تكليف أم امتياز ؟ وهل المال العام ملك للحكومة تتصرف به وفق المزاج السياسي ، أم أنه حق أصيل للمجتمع لا يجوز الاقتراب منه إلا ضمن أحكام الدستور والقانون والضرورة الوطنية؟
في الفكر المحافظ، الذي يقوم على احترام الدولة ومؤسساتها وحراسة الاستقرار العام، لا يُنظر إلى المال العام باعتباره رقماً في الموازنة فقط، بل بوصفه أحد أعمدة العقد الأخلاقي بين المواطن والدولة. ولذلك، فإن العبث به، أو التصرف به خارج الأطر القانونية والدستورية، لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، بل تصدعاً في مفهوم الأمانة العامة ذاته.
وإذا كانت الحكومة تعاني ـ كما يقال دائماً ـ من ضغوط اقتصادية وعجز مالي وضرورة ترشيد الإنفاق، وإذا كان المواطن الأردني يواجه أعباءً معيشية متزايدة، فمن الطبيعي أن يطرح الأردنيون سؤالاً مشروعاً : كيف يمكن الحديث عن التقشف في الوقت الذي تُثار فيه شبهات حول صرف أموال أو امتيازات خارج السياقات المفهومة والشفافة ؟ وإن كان لدى حكومة جعفر حسان فائض مالي يسمح بتوزيع الأموال بهذه الطريقة ، فالأولى أن يوجَّه هذا الفائض نحو تخفيف الأعباء عن الناس ، أو تحسين الخدمات الأساسية ، أو دعم القطاعات التي تمس حياة الأردنيين اليومية.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة هو أن يشعر المواطن بأن المال العام أصبح متاحاً للتصرف السياسي أو التفاهمات الضيقة ، لأن ذلك يضرب أساس الثقة الوطنية ، ويخلق فجوة نفسية وأخلاقية بين المجتمع ومؤسساته ، فالشعوب قد تتحمل الضيق الاقتصادي، لكنها لا تتسامح مع الشعور بأن هناك ازدواجية في المعايير، أو أن التضحيات تُطلب من الناس وحدهم.
ولذلك ، فإن القضية اليوم ليست فقط في كشف الوقائع، بل في إعادة ترسيخ مبدأ دستوري وأخلاقي واضح : لا أحد يملك حق التصرف بمال الأردنيين خارج القانون ، أياً كان موقعه أو صفته ، فالدولة ليست شركة خاصة ، والسلطة ليست تفويضاً مفتوحاً ، والمال العام ليس نهباً مباحاً لأحد.
إن الأردن، الذي بُني عبر عقود طويلة على قيم الانضباط والاعتدال واحترام مؤسسات الدولة، يحتاج اليوم إلى تعزيز ثقافة المساءلة لا تهميشها، وإلى حماية فكرة الخدمة العامة من التحول إلى باب للامتيازات. فحماية المال العام ليست قضية محاسبية فقط، بل معركة وعي وطني وأخلاق دولة ومستقبل ثقة عامة.
فالأوطان لا تُصان بكثرة الشعارات، بل بصيانة الدستور، واحترام القانون، وتجفيف كل منافذ العبث بالمال العام، لأن هيبة الدولة تبدأ من قدسية المال الذي يدفعه المواطن، وثقته بأن مؤسساته تحرسه بعدالة ونزاهة ومسؤولية.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني – مساعد امين عام الحزب للثقافة الحزبية