facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إيران والشرق الأوسط


د. بركات النمر العبادي
17-05-2026 10:13 AM

* قراءة في كتاب " إيران والشرق الأوسط " للكاتبة لارا علي العتوم

حين تتحول الجغرافيا إلى سؤال حضاري

ليست الكتب السياسية العميقة تلك التي تكتفي بسرد الوقائع أو ملاحقة الأحداث ، بل تلك التي تحاول أن تنفذ إلى ما وراء الضجيج ؛ إلى البنية الخفية التي تُنتج الصراع ، وتعيد تشكيل الإنسان والدولة والوعي ، ومن هذا الباب يمكن قراءة كتاب «إيران والشرق الأوسط » للكاتبة لارا علي العتوم ، بوصفه محاولة فكرية جادة لفهم أحد أكثر أقاليم العالم اضطرابًا وتعقيدًا ، لا عبر اللغة الانفعالية أو الاصطفافات الجاهزة ، بل عبر مقاربة تحليلية تجمع بين التاريخ والسياسة والفكر الاجتماعي.

فالكتاب لا يتعامل مع إيران باعتبارها مجرد دولة ضمن الإقليم ، بل بوصفها مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا استطاع ، منذ ثورة 1979، أن يتحول من حدث داخلي إلى فاعل إقليمي ممتد ، يمتلك قدرة عالية على التكيّف وإعادة إنتاج النفوذ ، وهنا تكمن أهمية هذا العمل ؛ إذ لا تنشغل الكاتبة بالمظاهر السطحية للصراع ، بل تحاول تفكيك الآليات التي صنعت هذا الحضور الإيراني في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة البنى السياسية العربية ، وتآكل المشاريع الجامعة ، وغياب الرؤية الحضارية الواضحة.

ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب أن الكاتبة لا تقع في أسر التفسير الأحادي ، فهي لا تقدّم إيران بوصفها “شيطانًا مطلقًا” ، ولا بوصفها “نموذجًا ثوريًا ملهمًا” ، بل تتعامل معها كحالة تاريخية مركبة ؛ مزيج من العقيدة والمصلحة ، ومن الثورة والدولة ، ومن الأيديولوجيا والبراغماتية ، وهذا التوازن يمنح النص قيمة فكرية حقيقية ، خصوصًا في زمنٍ أصبحت فيه الكتابة السياسية أسيرة الاستقطاب والانفعال.
وفي قراءتها للثورة الإيرانية ، تذهب لارا العتوم إلى ما هو أبعد من توصيف إسقاط نظام الشاه ، إذ ترى أن الثورة الحقيقية لم تكن فقط تغييرًا في السلطة ، بل محاولة لإعادة تشكيل المجتمع والوعي والشرعية السياسية ، وهنا يظهر البعد الفلسفي العميق للكتاب ؛ فالثورات ، كما توحي الكاتبة ، لا تنتصر بالساحات وحدها ، بل بالمؤسسات التي تبنيها بعد ذلك ، لذلك تركز على الحرس الثوري ، والمؤسسة الدينية ، والإعلام ، والأجهزة الأمنية ، باعتبارها أدوات تحويل الثورة من لحظة عابرة إلى بنية دائمة.

هذه المقاربة تكشف وعيًا سياسيًا ناضجًا لدى الكاتبة ، فهي تدرك أن التاريخ لا يُدار بالعواطف وحدها ، وأن الدول لا تُبنى بالشعارات مهما بلغت جاذبيتها ، ومن هنا يبرز أحد أهم الأسئلة التي يطرحها الكتاب بصورة ضمنية : لماذا نجحت قوى إقليمية في بناء مشاريع نفوذ ممتدة ، بينما تعثر المشروع العربي في أكثر من محطة تاريخية؟

إن الإجابة التي يقدمها النص ليست مباشرة ، لكنها حاضرة بين السطور : غياب المشروع العربي المنظم ، وتقدّم الارتجال السياسي على التخطيط ، وهيمنة الخطاب العاطفي على بناء المؤسسات ، ولذلك يبدو الكتاب ، في أحد أبعاده ، وكأنه مراجعة نقدية طويلة للواقع العربي الحديث ، لا لإدانته فقط، بل لفهم أسباب تعثره التاريخي.

وفي تناولها للاحتجاجات داخل إيران ، تُظهر الكاتبة حساسية اجتماعية واضحة ، إذ لا تختزل الأزمة في الحجاب أو العقوبات أو الصدام الأمني ، بل تربطها بتحولات الجيل الجديد ، وبأزمة العلاقة بين الدولة والمجتمع ، وبين الذاكرة الثورية ومتطلبات الحياة الحديثة ، وهذه قراءة بالغة الأهمية ، لأنها تتعامل مع المجتمع الإيراني باعتباره مجتمعًا حيًا ومتغيرًا ، لا كتلة جامدة يمكن تفسيرها عبر الشعارات السياسية وحدها.

أما في قراءتها للعالم العربي بعد الربيع العربي ، فإن الكتاب يكتسب بعدًا أكثر مرارة وواقعية ، فالثورات العربية ، كما يراها النص ، لم تسقط فقط بسبب القمع أو التدخل الخارجي ، بل أيضًا بسبب غياب التنظيم والرؤية والمؤسسات ، وهنا لا تبدو الكاتبة منحازة للفوضى الثورية بقدر انحيازها لفكرة الدولة المستقرة القادرة على الإصلاح التدريجي وحماية المجال الوطني من الانهيار ، وهنا يبدو واضحا تأثر الكاتبة بالفكر المحافظ الاردني .

ولعل من أكثر ما يمنح هذا الكتاب قيمته الفكرية أنه لا يكتفي بوصف الصراعات ، بل يحاول فهم طبيعة التحولات الكبرى في الشرق الأوسط ؛ انتقال الصراع من الحدود إلى الهويات ، ومن الجيوش إلى الإعلام ، ومن الميدان العسكري إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة ، فالمنطقة ، كما يراها الكتاب ، لم تعد فقط ساحة نزاعات تقليدية ، بل مختبرًا عالميًا لإعادة تشكيل النفوذ والمعنى والوعي.

وفي هذا السياق ، يبدو واضحا ان الكاتبة تتكئ على الفكر المحافظ الاردني الحديث و تبدو إشاراتها واضحة إلى أهمية الهوية الوطنية والدولة المستقرة ذات دلالة عميقة في هذا الاتجاه ، خصوصًا في ظل التفكك الذي أصاب كثيرًا من المجتمعات العربية ، فالدولة هنا ليست مجرد جهاز إداري ، بل إطار حضاري يحفظ التوازن بين الحرية والاستقرار ، وبين الإصلاح واستمرار المؤسسات ، وهي فكرة تعكس نضجًا فكريًا محافظا يتجاوز الثنائيات الحادة التي أرهقت الخطاب السياسي العربي خلال العقدين الأخيرين.

أسلوب لارا العتوم في الكتابة يتسم كذلك بقدرة لافتة على الجمع بين التحليل السياسي واللغة الفكرية الهادئة ، فهي لا تسعى إلى الإثارة ، بل إلى الفهم ؛ ولا تكتب بعقلية الدعاية ، بل بعقلية الباحثة التي تحاول قراءة المنطقة ضمن سياقاتها التاريخية والاجتماعية المعقدة ، ولذلك جاء الكتاب متماسكًا في فكرته المركزية : أن أزمة الشرق الأوسط ليست فقط أزمة أنظمة أو حدود ، بل أزمة مشروع حضاري غائب ، ووعي سياسي لم يكتمل بعد.

في النهاية ، يمكن القول إن «إيران والشرق الأوسط» ليس مجرد كتاب عن إيران ، بل عن الشرق الأوسط كله ؛ عن فكرة الدولة ، وعن معنى الثورة ، وعن هشاشة المنطقة حين تغيب الرؤية الجامعة ، وهو عمل يستحق التوقف عنده لما يحمله من جهد فكري واضح ، وقدرة على الربط بين التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية في إطار تحليلي متوازن.

لقد نجحت الكا تبة لارا علي العتوم في تقديم نص يتجاوز التوصيف المباشر للأحداث إلى مساءلة البنية العميقة للصراع في المنطقة ، وهو ما يمنح الكتاب أهميته الحقيقية ، فالقيمة الكبرى لأي عمل فكري لا تكمن في تقديم الإجابات الجاهزة ، بل في قدرته على دفع القارئ للتفكير من جديد ، وهذا ما يفعله هذا الكتاب بوضوح وهدوء وعمق ، مما يجعنا نقف باحترام امام هذا العمل الادبي السياسي الاجتماعي باحترام .

* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :