دراسة علمية حول مشروع قانون الإدارة المحلية
السفير د. موفق العجلوني
21-05-2026 10:07 AM
* نحو ترسيخ اللامركزية وتعزيز الحوكمة والتنمية المحلية
يشكّل مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 محطة مفصلية في مسار الإصلاح الإداري والسياسي في المملكة الأردنية الهاشمية، باعتباره امتداداً عملياً لرؤية الدولة الأردنية في التحديث السياسي والإداري والاقتصادي، وسعياً لإعادة بناء الإدارة العامة على أسس أكثر كفاءة وشفافية ومشاركة مجتمعية.
وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة ليس فقط من زاوية التطورات التشريعية الراهنة، بل أيضاً من منظور تاريخي وأكاديمي عايش مسيرة اللامركزية في الأردن منذ بداياتها الفكرية الأولى. ففي الفترة ما بين عامي 1984–1987، حصلتُ على درجة الماجستير في الإدارة العامة من كلية كانبرا للدراسات العليا في جامعة كانبرا، حيث كنت في بدايةً عملي الدبلوماسي في السفارة الاردنية في العاصمة كانبرا في استراليا ، بعد إعداد رسالة علمية استغرقت ثلاث سنوات من البحث والدراسة المقارنة بعنوان:
الإدارة اللامركزية في المملكة الأردنية الهاشمية
وقد تناولت الرسالة آنذاك مفهوم اللامركزية بوصفه مدخلاً إصلاحياً لتطوير الإدارة العامة وتحقيق التنمية المتوازنة، مستندة إلى دراسة تجارب دولية متعددة، وفي مقدمتها التجربة الفرنسية في اللامركزية الإدارية، التي شكّلت نموذجاً متقدماً في توزيع الصلاحيات وتعزيز دور الوحدات المحلية في التخطيط والتنمية وصنع القرار.
وقد جرى في حينه عام 1987 تزويد الوزارات والمؤسسات الرسمية المعنية بنسخ من الرسالة، وعلى راسها وزارة الخارجية ووزارة البلديات، إيماناً بأهمية الانتقال التدريجي من المركزية التقليدية إلى الإدارة اللامركزية الحديثة.
غير أن المتأمل اليوم، وبعد ما يقارب أربعة عقود، يلحظ أن الأردن ما يزال يواجه العديد من الإشكاليات ذاتها المرتبطة بالإدارة العامة، وفي مقدمتها استمرار المركزية الإدارية، وتداخل الصلاحيات، وضعف الاستقلال المالي والإداري للمجالس المحلية، الأمر الذي يجعل من مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 فرصة تاريخية لإعادة إحياء مشروع الإصلاح الإداري الحقيقي الذي طال.
تُعرف اللامركزية الإدارية بأنها نقل جزء من الصلاحيات والوظائف والموارد من السلطة المركزية إلى وحدات محلية منتخبة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري النسبي، بما يتيح رفع كفاءة الخدمات العامة وتعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار المحلي.
وقد أصبحت اللامركزية في الفكر الإداري الحديث أحد المرتكزات الأساسية للإدارة الرشيدة، لما تحققه من أهداف استراتيجية تتمثل في:
تعزيز الديمقراطية المحلية ، ورفع كفاءة الخدمات العامة ، و تحقيق العدالة التنموية بين المحافظات ، و تعزيز الشفافية والمساءلة ، و تحفيز التنمية الاقتصادية المحلية ، و توسيع المشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام.
وقد أكدت العديد من التجارب الدولية، وخاصة التجربة الفرنسية، أن نجاح اللامركزية يتطلب وجود إرادة سياسية حقيقية، ونقل صلاحيات فعلية، واستقلالاً مالياً وإدارياً واضحاً، إضافة إلى بناء ثقافة مؤسسية تؤمن بالشراكة والتنمية المحلية.
وفي السياق الأردني، شكّلت الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله، إلى جانب مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، مرجعية أساسية لتطوير الإدارة المحلية وتعزيز مفهوم المشاركة الشعبية في صنع القرار.
حيث مرّت الإدارة المحلية في الأردن بعدة مراحل رئيسية، تمثلت في:
• مرحلة البلديات التقليدية ذات الطابع الخدمي.
• إنشاء مجالس المحافظات بموجب قانون اللامركزية لعام 2015.
• دمج التشريعات ضمن قانون الإدارة المحلية لعام 2021.
• مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026.
ورغم أهمية هذه التحولات، إلا أن التجربة العملية أظهرت عدداً من الإشكاليات، أبرزها:
• استمرار هيمنة المركزية الإدارية.
• ضعف نقل الصلاحيات الحقيقية للمحافظات.
• محدودية الموارد المالية للبلديات.
• ضعف التخطيط التنموي المحلي.
• تداخل الأدوار بين المجالس المنتخبة والجهاز التنفيذي.
• غياب مؤشرات الأداء والرقابة المؤسسية.
• ضعف الكفاءات الإدارية والفنية في بعض الوحدات المحلية.
يقوم مشروع قانون الادارة المحلية 2026 على فلسفة إصلاحية متقدمة تستند إلى التحول من الإدارة المحلية التقليدية إلى الإدارة التنموية التشاركية، عبر عدة مرتكزات رئيسية:
• التحول من الإدارة الخدمية إلى التنمية المحلية. لم تعد البلدية مجرد مؤسسة للنظافة والتنظيم، بل أصبحت شريكاً تنموياً مسؤولاً عن:
إعداد الخطط التنموية.
جذب الاستثمار المحلي.
تطوير البنية التحتية.
تحفيز الاقتصاد المحلي.
إدارة التنمية الحضرية المستدامة.
ويعكس ذلك تبني مفهوم التنمية الاقتصادية المحلية باعتباره أحد الاتجاهات الحديثة في الإدارة العامة.
• تعزيز الحوكمة والشفافية. حيث ركز المشروع على بناء منظومة حوكمة محلية حديثة من خلال:
الفصل بين المجلس البلدي والجهاز التنفيذي.
إخضاع الإدارة التنفيذية للمساءلة.
إنشاء لجان حوكمة ورقابة.
تفعيل الرقابة الداخلية.
نشر تقارير الأداء والإنجاز.
الحد من تضارب المصالح.
وهو ما ينسجم مع المعايير الدولية للإدارة الرشيدة.
• توسيع المشاركة المجتمعية و يتجلى ذلك عبر:
اعتماد الموازنة التشاركية.
تشكيل لجان الأحياء.
إشراك المواطنين في تحديد الأولويات التنموية.
تعزيز مشاركة المرأة والشباب في العمل المحلي.
ويُعد هذا التوجه تطبيقاً عملياً للديمقراطية التشاركية التي تجعل المواطن شريكاً مباشراً في صنع القرار المحلي. و في نظرة تحليلية لهذا المشروع ، يمكن استخلاص ابرز المعطيات التالية :
• يُعد الفصل بين المجلس البلدي والجهاز التنفيذي من أبرز عناصر الإصلاح في المشروع، حيث أصبح المجلس البلدي جهة تشريعية ورقابية وسياساتية. والجهاز التنفيذي جهة تنفيذية وإدارية مهنية. وهذا الفصل يسهم في تقليل تضارب الصلاحيات وتعزيز المساءلة المؤسسية. ويمثل وجود مدير تنفيذي محترف نقلة نوعية في الإدارة البلدية، لما يحققه من:
تعزيز الكفاءة الإدارية.
ضمان الاستمرارية المؤسسية.
تطوير الأداء الفني.
الحد من الطابع الشخصي للإدارة.
إلا أن نجاح هذه الخطوة يتطلب وضوح آليات التعيين ومنع التسيس والمحاصصة.
• تُعد الموازنة التشاركية من الأدوات الحديثة عالمياً في الإدارة المحلية، حيث تسمح للمواطنين بالمشاركة في تحديد أولويات الإنفاق العام المحلي. ومن المتوقع أن تسهم في:
رفع ثقة المواطنين بالمؤسسات.
تعزيز العدالة في توزيع المشاريع.
زيادة الشفافية.
تقليل الهدر المالي والإداري.
• يتضمن مشروع تعزيز اللامركزية الحقيقية تفويض صلاحيات الوزارات إلى المديريات التنفيذية في المحافظات، وهو ما يمثل جوهر اللامركزية الفعلية. ولكن نجاح ذلك يرتبط بـ :
نقل الموارد المالية بصورة عادلة.
وبناء القدرات المؤسسية المحلية.
وتحديث البنية الرقمية.
وتوفير كوادر بشرية مؤهلة.
• لقد أثبتت التجربة الأردنية، كما أكدت ذلك الدراسات الأكاديمية منذ ثمانينيات القرن الماضي، أن المشكلة لا تكمن في غياب النصوص القانونية فقط، بل في فلسفة الإدارة العامة ذاتها. فاللامركزية الحقيقية لا تتحقق بمجرد إنشاء مجالس محلية، وإنما عبر:
نقل صلاحيات حقيقية للمحافظات.
استقلال مالي وإداري فعلي.
تطوير الثقافة المؤسسية.
بناء قيادات محلية كفؤة.
اعتماد التخطيط التنموي المحلي.
تعزيز المساءلة المجتمعية.
كما أن المركزية المفرطة ظلت لعقود أحد أبرز معوقات التنمية المتوازنة بين المحافظات، وأسهمت في تركّز الخدمات والاستثمارات في العاصمة على حساب الأطراف. ومن هنا، فإن مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروعاً وطنياً لإعادة بناء الإدارة العامة، وليس مجرد تعديل تشريعي محدود. ورغم أهمية المشروع، إلا أن تطبيقه قد يواجه عدة تحديات، أبرزها:
• ضعف الموارد المالية، حيث تعاني العديد من البلديات من عجز مالي ومديونية مرتفعة.
• ضعف الكفاءات الإدارية ، نجاح اللامركزية يتطلب كوادر متخصصة في التخطيط والإدارة والرقمنة.
• استمرار الثقافة المركزية ، لا تزال بعض المؤسسات متحفظة تجاه نقل الصلاحيات.
• التفاوت التنموي بين المحافظات ، قد يؤدي ضعف الإمكانات إلى تفاوت في جودة الخدمات.
• مخاطر التسيس والمحاصصة ، خصوصاً في التعيينات وتوزيع المشاريع المحلية.
في حال تطبيق المشروع بصورة فاعلة، فمن المتوقع أن يحقق:
o تحسين جودة الخدمات العامة.
o رفع كفاءة الإنفاق المحلي.
o تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات.
o تحفيز الاستثمار المحلي.
o تعزيز العدالة التنموية.
o رفع مستوى الشفافية والمساءلة.
o تقوية المشاركة السياسية المحلية.
o دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المحافظات.
وختاماً توصي هذه الدراسة بما يلي:
الإسراع في نقل الصلاحيات والموارد للمحافظات.
إعداد برامج تدريب متخصصة للإدارة المحلية.
تطوير نظم الرقابة والأداء المؤسسي.
دعم التحول الرقمي الكامل للبلديات.
تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
وضع مؤشرات أداء واضحة لقياس نجاح اللامركزية.
ضمان استقلالية القرار المحلي مالياً وإدارياً.
تعزيز الثقافة المجتمعية بالمشاركة المحلية.
تطوير التشريعات المالية المرتبطة بالبلديات.
إنشاء مرصد وطني لتقييم تجربة الإدارة المحلية بصورة دورية.
وبالتالي، يمثل مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 خطوة إصلاحية متقدمة في مسار بناء الدولة الأردنية الحديثة، إذ يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين المركز والمحافظات على أسس من الحوكمة واللامركزية والمشاركة المجتمعية.
غير أن نجاح هذا المشروع لن يتحقق بالنصوص القانونية وحدها، بل بوجود إرادة سياسية وإدارية قادرة على تحويل اللامركزية من مفهوم نظري إلى ممارسة مؤسسية حقيقية تُعزز التنمية والعدالة والمشاركة الشعبية.
وبعد ما يقارب أربعة عقود على إعداد أولى الدراسات الأكاديمية المتخصصة حول اللامركزية في الأردن، والتي استغرقت ثلاث سنوات، تبقى الحاجة قائمة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تبني فلسفة إدارية جديدة تؤمن بأن التنمية المستدامة تبدأ من المحافظات، وأن بناء الدولة الحديثة لا يكتمل دون إدارة محلية فاعلة تمتلك الصلاحيات والموارد والقدرة على صنع القرار.
من هنا، فاللامركزية الحقيقية ليست مجرد مشروع قانون، بل مشروع وطني شامل لإعادة بناء الإدارة العامة وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، وتحقيق التنمية المتوازنة والعدالة بين جميع مناطق المملكة الأردنية الهاشمية.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والابحاث الاستراتيجية
[email protected]