عذرًا أيها الراحل الكبير...
لعلّ أول ما أعتذر عنه أن عنوان مقالتي لم يحمل كل الألقاب التي استحققتها، ولا كل الصفات التي التصقت باسمك عبر سنوات طويلة من العطاء والنبل والخدمة العامة.
لكننا نعيش زمناً غريباً؛ زمناً تختصر فيه الخوارزميات الحكايات، وتضغط المعاني في أسطر قليلة، وتفرض على العناوين حدوداً لا تتسع أحياناً لفيض ما يستحقه الرجال الكبار.
لم يكن اختصار العنوان انتقاصاً من مقامك، ولا تجاوزاً لما يليق بتاريخك، بل كان انحناءةً أمام جوهرٍ أدركته متأخراً؛ أن الألقاب، مهما كثرت، تبقى ظلالاً للاسم، وأن بعض الأسماء ترتفع بذاتها حتى تصبح أكبر من كل لقب.
فالألقاب تُمنح، أما المكانة فتُكتسب، والمناصب تُكتب في السجلات، أما الأثر فيُكتب في قلوب الناس.
لهذا اخترت الاسم، لا لأن ما عداه أقل شأناً، بل لأن الاسم وحده كان كافياً ليستدعي سيرة كاملة، وذاكرة ممتدة، وقصة رجلٍ حفظت له الأيام ما عجزت الألقاب كلها عن اختصاره.
وعذراً اشدّ مما سبق، لأنني لم أبكِك كما بكى كثيرون من أهلك ومحبيك وتلاميذك يوم وفاتك، ولم أمشِ خلف نعشك بين الجموع التي جاءت تودعك، ولم أكن واحدًا من أولئك الذين ازدحمت بهم طرقات الوداع وهم يلقون النظرة الأخيرة على نعش رجل عاش عمره بين الناس، وخرج من الدنيا محمولًا على أكتاف محبتهم.
لكن الحقيقة أن بعض الرجال لا يُبكون يوم رحيلهم، بل يُبكون كلما تذكرنا ما أصبح نادرًا بعدهم، وبعض الغياب لا يحدث لحظة الوفاة، بل يبدأ حين نكتشف أن المكان الذي كان يشغله صاحبه لم يعد يشغله أحد.
ما لا تقوله السيرة الذاتية
لقد قرأت كثيرًا مما كُتب عنك بعد الرحيل، قرأت عن الاستاذ الاكاديمي، وعميد كلية الحقوق، وعضو المحكمة الدستورية، والفقيه القانوني، ورجل الدولة، وكل ذلك صحيح، وهو جزء مهم من الحكاية.
لكنني شعرت أن شيئًا آخر ظل مختبئًا بين السطور؛ شيئًا لا تستطيع السّير الذاتية أن تكتبه، ولا تستطيع المناصب أن تختصره، فالسّير الذاتية تخبرنا ماذا كان الإنسان، لكنها لا تخبرنا كيف كان، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
رجل من زمن الهيبة الهادئة
لم يكن الدكتور محمد الغزوي، في نظري، مجرد رجل قانون، كان ينتمي إلى ذلك الجيل الذي كان يرى في المعرفة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وسيلة للنجاح الشخصي.
جيل لم يكن يقيس قيمة الإنسان بحجم ظهوره، بل بقدرته على أن يبقى وفيًا لما يؤمن به حتى حين لا يراه أحد.
لقد عاش في زمن كانت فيه الهيبة تُصنع بالعلم لا بالضجيج، وكانت الكلمة تسبق الصورة، والمعرفة تسبق الشهرة، والاحترام يُكتسب بالتراكم لا بالانتشار.
وكان من الرجال الذين لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم كي يُستمع إليهم، لأن سنوات طويلة من العمل الجاد كانت تتحدث نيابة عنهم.
حين يرحل الإنسان ويبقى المعيار
في هذا الزمن السريع، الذي أصبح فيه كل شيء قابلًا للاستهلاك، حتى الأفكار، والمواقف والقيم، يبدو رحيل أمثال الدكتور محمد الغزوي تذكيرًا مؤلمًا بأن بعض الأشخاص كانوا يمثلون زمنًا كاملًا أكثر مما يمثلون أنفسهم.
لقد كان ينتمي إلى جيل بنى نفسه بصمت، ولم يكن يبحث عن الأضواء، ولذلك بقي أثره أطول من كثيرين عاشوا داخلها.
ولعل الحقيقة القاسية التي لا ننتبه إليها إلا متأخرين أن المجتمعات لا تشعر بقيمة بعض الرجال عندما يكونون بين ظهرانيها، بل حين ترحل آخر النسخ التي تمثلهم.
عندها لا نفقد شخصًا واحدًا فحسب، بل نفقد معيارًا كاملًا كنا نقيس به معنى الاحترام والعلم والنزاهة.
لقاء بعيد عن الأضواء
لست أكتب هذا من موقع التلميذ المباشر للدكتور محمد الغزوي، فلم أكن أحد طلابه في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية، رغم أن كثيرًا من أقراني كانوا من تلاميذه الذين نهلوا من علمه وتأثروا بمنهجه.
إلا أنني ربطتني به علاقة وجدانية، وتشرفت بلقائه في أكثر من مناسبة، وكان آخرها حين تواصل معي طالبًا المساعدة من موقعي كمهندس استشاري لرغبته بتحمّل كلفة صيانة سقف أحد المساجد في الخربة -إحدى قرى أردننا الغالي- يومها لفتني أن الرجل الذي شغل أرفع المواقع الأكاديمية والقانونية لم يكن منشغلًا بما يحيط باسمه من مكانة أو وجاهة، بقدر انشغاله بخدمة بسيطة يرى فيها واجبًا تجاه مجتمعه.
وربما كانت هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف حقيقة الكبار أكثر مما تكشفها الألقاب، لأن الإنسان يظهر على حقيقته حين يعمل للناس بعيدًا عن المنصات والأضواء.
أثره في القانون والتشريع
ولا أنسى كذلك أن اجتهاداته في القانون الدستوري، وما صدر عن المحكمة الدستورية خلال سنوات عضويته فيها، وآراءه الجريئة وان خالفت قرارات المحكمة الدستورية، كانت تمثل بالنسبة لي مرجعًا مهمًا ورافعة تشريعية حقيقية في محاكمة التشريعات ومدى دستوريتها، إبّان عضويتي في مجلس النواب السابع عشر.
فقد كنت أجد في كثير من تلك الاجتهادات نموذجًا للفكر القانوني الرصين الذي يوازن بين نصوص الدستور وروحه، وبين القانون ومقاصده.
وهو إرث علمي سيبقى حاضرًا في الحياة القانونية والتشريعية الأردنية لسنوات طويلة قادمة.
ما يبقى بعد الموقع
ما يلفتني في الرجال الكبار ليس ما تقلدوه من مواقع، بل ما حملوه معهم بعد مغادرتها.
فثمة من تنتهي حكايته بانتهاء موقعه، وثمة من يبقى كبيرًا لأن قيمه كانت أكبر من أي موقع شغله.
وكان الدكتور محمد الغزوي من هذا النوع النادر.
الجنازة التي ودّعت معنى
لهذا لم يكن الحضور الكثيف في جنازته هو الحدث الحقيقي.
الحدث الحقيقي أن الناس لم تأت لتودع مسؤولًا سابقًا أو أستاذًا جامعيًا فحسب، بل جاءت لتودع صورة من صور الاحترام التي بدأت تقل في حياتنا العامة.
جاءت لتودع إنسانًا استطاع أن ينجح دون أن يتعالى، وأن يعلو دون أن يبتعد، وأن يحظى بالتقدير دون أن يطلبه.
وهذه صفات لا تمنحها القوانين ولا الجامعات ولا المواقع الرسمية.
هذه الصفات يمنحها العمر حين يُعاش بشرف.
فراغ لا تملؤه المؤسسات
لعل أكثر ما يجعل رحيل بعض الرجال مؤلمًا أنهم لا يتركون فراغًا مؤسسيًا فحسب، بل يتركون فراغًا معنويًا.
فالمؤسسات تستطيع أن تعين بديلًا لأي موقع، لكنها لا تستطيع أن تعين بديلًا عن تجربة إنسانية كاملة تشكلت عبر عقود من العلم والخلق والعمل.
ولهذا فإن خسارة الكبار لا تُقاس بعدد السنوات التي عاشوها، بل بعدد المعاني التي كانت حاضرة معهم وغابت برحيلهم.
السؤال الأصعب
اليوم، وبعد أن هدأت مراسم الوداع، وانفض المعزون، وعادت الحياة إلى إيقاعها المعتاد، يبقى السؤال الأصعب:
ما الذي يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
لا يبقى ما يشغله الإنسان من مواقع، بل يبقى ما يتركه في قلوب الناس وعقولهم من أثر.
ويبقى ذلك الشعور الخفي الذي يجعل المئات يذكرونه بالخير دون أن يطلب منهم أحد ذلك.
وهذا، في النهاية، هو الامتحان الحقيقي لأي حياة.
الاعتراف الأخير
عذرًا أيها الراحل الكبير لأنني لم أبكِك يوم رحلت، واعتذر ثانيةً لعدم مشاركتي في جنازة وداعك، لكنني أدركت أن بعض الرجال لا يحتاجون إلى دموع كثيرة، بقدر ما يحتاجون إلى اعتراف صادق بأنهم كانوا أجمل من أن تختصرهم السير الذاتية، وأكبر من أن تلخصهم المناصب، وأعمق أثرًا من أن يُقاس حضورهم بما شغلوه من مواقع.
رحمك الله، وجعل من ذكرك الطيب لقباً لا يزول، ومن أثرك بين الناس عنواناً أطول عمراً من كل العناوين
بقي الدرس
فبعض الرجال يرحلون فتُطوى صفحة من حياتهم، ويرحل آخرون فتُطوى معهم صفحة من زمن القيم ذاته.
أما أنت ايها الحاضر الغائب فقد رحلت جسداً ، وبقيت درساً، وبقي الأثر.
وتستمر السيرة التي لا تُقرأ في كتب التاريخ فقط، بل في مسيرة وقلوب أولئك الذين عرفوك، وفي ذاكرة وطنٍ كان محظوظًا بأن يكون محمد الغزوي واحدًا من رجاله