النصر والهزيمة اللذان وُلدا من جملة واحدة
محمود الدباس - أبو الليث
13-06-2026 05:54 PM
قبل أيام كتبت مقالاً.. ولم أكن أتوقع أن يكون المقال نفسه هو موضوع التجربة..
فقد انهالت التعليقات من كل اتجاه..
فريق أثنى على المقال.. لأنه وجد فيه ما يؤيد رأيه..
وفريق آخر هاجمه.. لأنه وجد فيه ما يعارض رأيه..
والمفارقة أن الفريقين قرآ المقال ذاته.. لكن كلّاً قرأه من زاويته..
وبدا واضحاً من التعليقات.. أن جزءاً لا يُستهان به ممن هاجمني.. هم من مؤيدي الفكرة الأساسية نفسها..
في حين أن جزءاً آخر ممن امتدحني.. هم في الأصل من معارضيها شكلاً ومضموناً..
وهناك قلة فقط التقطت الفكرة من الطرفين.. وقرأت النص كما هو لا كما أرادت أن تراه.
عندها لم أنشغل كثيراً بالمقال.. بل انشغلت بطريقة القراءة..
فكثير منا لا يقرأ الفكرة كاملة.. بل يبحث داخل النص عن كلمة يحبها.. أو جملة تزعجه..
فإن وجد الأولى.. صفق للكاتب..
وإن وجد الثانية.. أشهر سيف النقد..
وفي الحالتين يكون الحكم قد صدر قبل انتهاء القراءة..
ولعل هذا ما يجعل بعض الناس يختلفون مع نص لم يقرأوه كاملاً.. أو يوافقون على نص لم يفهموه كاملاً..
أما أنا.. فأعترف أنني لا أكتب دائماً بطريقة مباشرة.. وكثيراً ما أضع ألغاماً فكرية فيما أكتب..
فأحياناً أبدأ من النتيجة لأصل إلى المقدمة.. وأحياناً أبدو وكأنني أذم شيئاً لأكشف فضله.. وأحياناً أبدو وكأنني أمدح شيئاً لأكشف عواره.. وأحياناً أستخدم السخرية.. لا لأخفي الفكرة.. بل لأجعلها أكثر ظهوراً..
فالصورة في المرآة تبدو معكوسة.. لكنها تبقى صورة..
ولهذا.. لا يمكن الحكم على بعض النصوص من سطر فيها.. ولا من فقرة مقتطعة منها.. ولا حتى من بدايتها..
فالكاتب قد يقودك إلى جهة معينة.. فقط لكي يريك ما يوجد في الجهة الأخرى.. وقد يرفع صوتاً لا لأنه يتبناه.. بل لأنه يريد اختباره أمام القارئ..
ومن حق أي قارئ أن يوافق.. أو يعارض.. فاختلاف الآراء سنة الحياة..
لكن من الظلم.. أن نحاكم الكاتب على فكرة لم يقلها.. أو أن ننسب إليه رأياً لأنه مرّ به في طريقه إلى رأي آخر..
فالقراءة ليست حركة عين فوق الكلمات.. وليست مطاردة لعبارة توافقنا.. أو تستفزنا..
القراءة الحقيقية.. هي أن نمنح الفكرة فرصة كاملة للدفاع عن نفسها..
وإلا فإننا لا نقرأ النصوص.. بل نقرأ أحكامنا المسبقة داخلها..