الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية يقودها ولي العهد
د. هيفاء ابوغزالة
24-06-2026 12:45 PM
كيف يحول الأردن كفاءاته إلى قوة اقتصادية؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعاً للنقاش الأكاديمي أو رفاهية تقنية تقتصر على شركات التكنولوجيا الكبرى، بل أصبح اليوم أحد أهم محددات القوة الاقتصادية للدول. فالعالم يعيش ثورة جديدة لا تقل تأثيراً عن الثورة الصناعية، والدول التي ستنجح في توظيف الذكاء الاصطناعي ستكون الأكثر قدرة على جذب الاستثمار وخلق الوظائف وتعزيز النمو وتحسين مستوى الخدمات العامة.
ومن هنا تكتسب الندوة التي عقدتها الهيئة العربية للبث الفضائي والرقمي بالتعاون مع مؤسسة Runtime Fund الأمريكية برعاية طلال ابوغزالة حول الذكاء الاصطناعي أهمية تتجاوز حدود النقاش النظري، لأنها تطرح سؤالاً استراتيجياً يتعلق بمستقبل الأردن وموقعه في الاقتصاد العالمي الجديد: كيف يمكن للأردن أن يحول الذكاء الاصطناعي من عنوان عالمي إلى مشروع وطني منتج؟
الأردن يمتلك اليوم فرصة حقيقية قد لا تتكرر. فالمملكة لا تنافس الدول الكبرى في الموارد الطبيعية أو الأسواق الضخمة، لكنها تمتلك ثروة أكثر أهمية في العصر الرقمي، وهي العنصر البشري. فآلاف الشباب الأردنيين يعملون في مجالات البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والهندسة الرقمية داخل الأردن وخارجه، وحقق كثير منهم نجاحات لافتة في شركات عالمية ومراكز بحث متقدمة.
وهنا تبرز ضرورة وطنية ملحة تتمثل في الاستفادة المنظمة من الخبرة التي اكتسبها الأردنيون في مختلف دول العالم، وخاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. فالكفاءات الأردنية المنتشرة في العواصم العالمية ليست مجرد قصص نجاح فردية، بل تمثل ثروة استراتيجية يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية ومعرفية هائلة إذا ما تم ربطها بمشاريع التنمية الوطنية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل الاهتمام الكبير الذي يوليه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد لقطاع التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، حيث بات واضحاً أن بناء اقتصاد المعرفة يمثل أحد المسارات الرئيسية في رؤية التحديث الاقتصادي. فاللقاءات التي يعقدها سموه مع الشباب الأردنيين العاملين في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي داخل المملكة وخارجها تعكس قناعة راسخة بأن المستقبل الاقتصادي للأردن سيكون مرتبطاً بقدرته على إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا، وليس فقط استهلاكها.
لكن امتلاك الكفاءات وحده لا يكفي. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الطاقات إلى مشروع وطني منظم قادر على خلق قيمة اقتصادية مضافة. وهنا تبرز فكرة تستحق الدراسة والتبني، تتمثل في إطلاق "قمة الأردن للذكاء الاصطناعي والكفاءات العالمية" برعاية سمو ولي العهد، لتصبح حدثاً وطنياً سنوياً يجمع العقول الأردنية المتميزة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والابتكار من داخل المملكة وخارجها.
فالأردن يمتلك خبرات نوعية في كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، ومراكز البحث العلمي، والجامعات الدولية، والمؤسسات المالية والاستثمارية الرائدة. وهذه الطاقات لا ينبغي أن تبقى موزعة بين القارات والدول، بل يجب أن تتحول إلى منظومة وطنية متكاملة تسهم في بناء اقتصاد المعرفة الأردني وتعزيز تنافسيته.
ويمكن أن تشكل هذه القمة منصة استراتيجية تجمع أصحاب القرار والمستثمرين ورواد الأعمال والخبراء الأردنيين من مختلف أنحاء العالم، لعرض التجارب الناجحة، وإطلاق مشاريع مشتركة، وتحويل الأفكار إلى شركات ناشئة وحلول تطبيقية ومنتجات تكنولوجية تخدم الاقتصاد الوطني وتوفر فرص عمل نوعية للشباب الأردني.
والأهم من ذلك أن هذه المبادرة لا تقوم على استقطاب الكفاءات الأردنية في الخارج للعودة النهائية إلى الوطن، بل على بناء شراكة معرفية مستدامة مع الأردن أينما كانت مواقع هذه الكفاءات. فالأردني الذي يعمل في وادي السيليكون أو لندن أو دبي أو سنغافورة يستطيع أن يسهم في بناء المستقبل الأردني من خلال نقل المعرفة، وتدريب الشباب، ودعم الشركات الناشئة، والمشاركة في البحث العلمي، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات الدولية.
كما يمكن أن تنبثق عن هذه القمة مبادرة وطنية تحمل اسماً عصرياً وقابلاً للتسويق عالمياً هو "Jordan AI"، لتصبح المظلة الوطنية الجامعة لجميع المبادرات والبرامج والمشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في المملكة. فكما ارتبطت دول عديدة بعلامات وطنية تعكس تميزها في مجالات محددة، يستطيع الأردن أن يبني هويته الرقمية الخاصة تحت هذا العنوان، ليصبح رمزاً وطنياً للتحول الرقمي والابتكار والتكنولوجيا المتقدمة.
ولا يقتصر دور "Jordan AI" على الجانب التقني فقط، بل يمكن أن يتحول إلى منصة وطنية لاستقطاب الاستثمارات التكنولوجية، ودعم البحث العلمي، وربط الجامعات بالصناعة، وتمكين الشركات الناشئة، وتعزيز حضور الأردن على خريطة الابتكار العالمية، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي ويجعل المملكة مركزاً إقليمياً للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والأمن السيبراني.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي استثمرت مبكراً في الذكاء الاصطناعي حققت قفزات اقتصادية كبيرة. فالدول التي وضعت استراتيجيات وطنية واضحة واستثمرت في التعليم والابتكار والبنية التحتية الرقمية نجحت في التحول إلى مراكز عالمية للتكنولوجيا والاستثمار. وهذا ما يحتاجه الأردن اليوم: مشروع وطني طموح يوحد الجهود ويستثمر في الثروة الحقيقية التي يمتلكها، وهي العقول الأردنية.
لقد تغيرت قواعد المنافسة العالمية. ففي الماضي كانت الثروة تقاس بحجم الموارد الطبيعية، أما اليوم فأصبحت تقاس بحجم المعرفة والقدرة على توظيف التكنولوجيا. وفي هذا العالم الجديد لا يُسأل الأردن عن حجم موارده بقدر ما يُسأل عن قدرته على الاستثمار في عقول أبنائه أينما كانوا.
ولهذا فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي لم يعد حديثاً عن المستقبل، بل عن الحاضر. ولم يعد السؤال ما إذا كان الأردن سيدخل عصر الذكاء الاصطناعي، بل كيف يمكنه أن يكون من الدول التي تصنع الفرص فيه وتقود التحولات القادمة. وربما تكون "قمة الأردن للذكاء الاصطناعي والكفاءات العالمية" ومبادرة "Jordan AI" خطوة عملية نحو هذا الهدف، ورسالة واضحة بأن الأردن يراهن على المعرفة والابتكار والعقل الأردني بوصفها أهم إستثمارته للمستقبل .