النحاس باشا يعاتب عبد الوهاب بسبب أغنيةٍ عدّها «مايعة» .. فماذا عن أغاني اليوم؟
د. محمد حيدر محيلان
26-06-2026 10:10 PM
يُروى أن رئيس وزراء مصر وزعيم حزب الوفد مصطفى النحاس باشا رفض مصافحة موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، ووبخه بسبب أغنية رأى أنها تُقدّم العاطفة على حساب قيمة الوطن. وسواء صحت تفاصيل الرواية كاملة أم بقيت في إطار المرويات التاريخية، فإنها تعكس حقيقة جديرة بالتأمل؛ فقد كان رجال الدولة يدركون أن الأغنية ليست مجرد وسيلة للطرب، بل رسالة تصنع الوجدان، وتوجه المجتمع، وتشارك في بناء الهوية الوطنية.
ولعل اللافت أن العتاب لم يكن موجهاً إلى فنان عادي، بل إلى محمد عبد الوهاب، أحد أعظم الموسيقيين العرب، بما قدّمه من ألحان خالدة وكلمات راقية وأغانٍ وطنية ما زالت تعيش في ذاكرة الأمة. وهذا يؤكد أن القضية لم تكن في الفن ذاته، بل في مسؤوليته. فالكلمة الجميلة قد تبني إنساناً، كما أن الكلمة الهابطة قد تُفسد ذوق جيل كامل.
لقد أدركت الأمم المتقدمة أن الأغنية، والفيلم، والمسرحية، والمسلسل، ليست وسائل ترفيه فحسب، بل أدوات لصناعة الوعي، وترسيخ القيم، وتعزيز الانتماء، وبناء الشخصية الوطنية. فالقوة الناعمة تُشكّل العقول قبل أن تُحرّك الجماهير، ولذلك تستثمر الدول في ثقافتها كما تستثمر في اقتصادها وأمنها.
أما اليوم، فقد أصبح النجاح في كثير من الأعمال الفنية يُقاس بعدد المشاهدات، لا بعمق الرسالة، وغابت في جانب من المشهد الكلمة التي تسمو بالذوق، لتحل محلها نصوص عابرة تلهث خلف الإثارة والربح السريع، حتى بات بعض الإنتاج يعكس السطحية أكثر مما يصنع الوعي.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالمنع وحده، بل ببناء مشروع ثقافي واعٍ. نحن بحاجة إلى مجلس وطني أعلى للثقافة الفنية يضم الأدباء والشعراء والموسيقيين والمخرجين والمربين وعلماء الاجتماع، تكون مهمته الارتقاء بالنصوص الغنائية والدرامية، ووضع معايير تشجع الأعمال التي تعزز الهوية والقيم، وتمنح الجوائز للإبداع المسؤول، دون أن تُصادر حرية الفن أو تُقيد الابتكار.
ولو عاد اليوم مصطفى النحاس باشا، أو وصفي التل، لما سألا عن عدد المشاهدات، بل لسألا: ماذا صنعت هذه الأغنية في أخلاق الناس؟ وماذا أضاف هذا الفيلم أو المسلسل إلى وعي الأمة؟ فنهضة الأوطان لا تُبنى بالاقتصاد والسياسة وحدهما، بل بالكلمة التي تُهذّب الذوق، واللحن الذي يسمو بالروح، والثقافة التي تصنع الإنسان؛ لأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع وطني.