يزن الخضير… رجل لا ينتظر المنصب بل يمنح المنصب هيبته
07-07-2026 11:32 PM
من طارق الخوالده آل خطاب - في زمنٍ كثر فيه العابرون على المواقع، وقلّ فيه أصحاب البصمة، يبرز اسم عطوفة الأستاذ يزن محمد صياح الخضير كواحد من الرجال الذين لا يمرون على المسؤولية مروراً عادياً، بل يتركون خلفهم أثراً، وفكراً، وحضوراً، وعملاً يشهد قبل الكلام.
يزن الخضير ليس مسؤولاً تقليدياً، ولا اسماً أتى إلى الواجهة بالمصادفة. هو رجل صعد من الميدان، وعرف تفاصيل العمل السياحي والثقافي من جذوره، لا من المكاتب المغلقة. عرف كيف تُدار الصورة، وكيف يُسوّق الوطن، وكيف تتحول السياحة من برنامج إلى رسالة، ومن نشاط إلى مشروع وطني، ومن أرقام إلى حكاية أردنية تستحق أن تُروى للعالم.
منذ حضوره في هيئة تنشيط السياحة، ومن خلال برنامج “أردننا جنة”، أثبت الخضير أن السياحة الداخلية ليست مجرد رحلات مدعومة، بل بوابة لإعادة الأردنيين إلى وطنهم الجميل؛ إلى جباله وسهوله ووديانه وقراه ومدنه وذاكرته. لقد آمن أن الأردن لا يحتاج إلى من يخترع جماله، بل إلى من يحسن تقديمه، ومن يفتح عيون الناس على كنوزه، ومن يجعل المواطن قبل السائح يرى بلده كما يليق بها.
وحين نقرأ مسيرة يزن الخضير، نجد أننا أمام رجل لم يهبط على المسؤولية فجأة، بل تدرج في مواقع مهمة وحساسة، راكم من خلالها خبرة حقيقية في السياحة والترويج والسياسات العامة. فقد شغل منصب نائب مدير عام هيئة تنشيط السياحة، ثم مديراً لدائرة السياحة في إدارة السياسات الاقتصادية في مكتب جلالة الملك المعظم، قبل أن يتولى موقع أمين عام وزارة السياحة والآثار، وصولاً إلى موقعه مديراً تنفيذياً لمهرجان جرش للثقافة والفنون. وهذه المحطات لا تمثل مجرد مناصب في سيرة رجل، بل تشكل دليلاً واضحاً على الثقة والخبرة والقدرة على حمل الملفات الوطنية الكبيرة.
وحين تولى مواقع متقدمة في قطاع السياحة، لم يكن الرجل غريباً عن الملف، بل كان ابن التجربة والخبرة. عمل في التسويق والترويج، وخاض تجربة خارجية في الشارقة، ومثل الأردن سياحياً في دولة الإمارات، ثم عاد ليحمل الخبرة إلى الداخل الأردني، حيث تكون المسؤولية أكبر، والرسالة أثقل، والواجب أعمق.
إن يزن الخضير من ذلك النوع من الرجال الذين يعرفون أن المنصب لا قيمة له إن لم يتحول إلى عمل. لذلك لم يكن حضوره إدارياً بارداً، بل حضور رجل يؤمن أن السياحة اقتصاد، وهوية، وفرصة، ووجه دولة. والسياحة في الأردن ليست مجرد فنادق ومواقع أثرية، بل قصة وطنٍ عاش على أرضه الأنبياء والملوك والجنود والفلاحون، ومرّت عليه الحضارات، وبقي واقفاً بعزته وكرامته.
ولأن الرجال الذين يعملون بصمت لا يضيع أثرهم، جاء تكريمه بميدالية اليوبيل الفضي تقديراً لمسيرة عطاء وخدمة وطنية. وهذا التكريم لم يكن مجاملة، بل شهادة على رجل قدّم جهداً، وحمل مسؤولية، وترك بصمة في موقع يحتاج إلى الرجال الذين يجمعون بين الفكر والعمل، وبين الرؤية والتنفيذ، وبين الانتماء والإنجاز.
ثم جاءت محطة مهرجان جرش للثقافة والفنون، وهي ليست محطة عادية، ولا موقعاً بروتوكولياً. جرش ليست مهرجاناً فقط؛ جرش هي ذاكرة الأردن الثقافية، ومنبره العربي، وصوته الفني، ونافذته التي يطل منها على العالم. ومن يتولى إدارة جرش لا يدير حفلات، بل يدير صورة وطن، وإرث مدينة، ووجدان جمهور، وهيبة منصة عرفها العرب منذ عقود.
وهنا تظهر قيمة يزن الخضير. فهو لا ينظر إلى جرش باعتباره موسماً عابراً، بل باعتباره مشروعاً وطنياً يجب أن يربط الثقافة بالسياحة، والفن بالاقتصاد، والمهرجان بالهوية. يدرك أن جرش لا يكبر بالأسماء وحدها، بل يكبر بالتنظيم، والرؤية، والشراكات، واحترام الجمهور، وحسن تقديم الأردن للعالم.
ما يميز الخضير أنه رجل هادئ في حضوره، قوي في أثره. لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت نفسه، ولا إلى شعارات ليعلن وطنيته. وطنيته تظهر في العمل، وفي الإصرار على أن يكون الأردن حاضراً، جميلاً، قوياً، ومنافساً. هو من الرجال الذين يفهمون أن خدمة الوطن لا تكون بالصوت العالي، بل بالفعل الواضح، وبالقرار المدروس، وبالقدرة على تحويل الفكرة إلى واقع.
في شخصية يزن الخضير تجتمع صفات المسؤول الذي نحتاجه اليوم: خبرة ميدانية، فهم عميق للسياحة، حس ثقافي، قدرة على الترويج، واحترام لقيمة المكان. فهو لا يتعامل مع المنصب ككرسي، بل كأمانة. ولا يرى المسؤولية وجاهة، بل تكليفاً. وهذه هي الفروقات التي تصنع الرجال، وتكشف معادنهم، وتمنحهم احترام الناس.
يزن الخضير رجل مرحلة لأنه يفهم لغة المرحلة. يعرف أن الأردن يحتاج إلى من يقدمه بثقة، لا بتردد. يعرف أن الثقافة قوة ناعمة، وأن السياحة باب رزق، وأن المهرجان رسالة، وأن المسؤول الحقيقي هو من يجمع هذه الخيوط ويصنع منها صورة وطن تليق بالأردن والهاشميين والأردنيين.
لذلك، فإن الحديث عن يزن الخضير ليس مدحاً عابراً، بل إنصاف لرجل حمل أكثر من ملف، ووقف في أكثر من موقع، وبقي عنواناً للعمل الجاد والمسؤولية الهادئة. هو من الرجال الذين لا يصنعون الصخب، لكنهم يصنعون الفرق. لا يلاحقون الأضواء، لكن الضوء يلحق بهم حين تظهر النتائج.
تحية تقدير لعطوفة الأستاذ يزن الخضير، الرجل الذي أثبت أن المنصب لا يصنع الإنسان، بل الإنسان هو من يصنع قيمة المنصب. رجل حمل السياحة بعقلية وطنية، ودخل الثقافة بروح المسؤول، ووقف عند جرش وهو يعرف أن بين يديه اسماً أردنياً كبيراً لا يجوز أن يُدار إلا بعقل كبير وقلب مؤمن بالوطن.
يزن الخضير ليس مجرد مدير مهرجان، ولا مجرد مسؤول في قطاع السياحة؛ إنه نموذج لرجل دولة من الصف الإداري الهادئ، ذلك الصف الذي يعمل دون ضجيج، وينجز دون استعراض، ويترك أثره في المكان قبل أن يغادره.
ومن هنا نقولها بوضوح: الأردن يحتاج إلى أمثال يزن الخضير؛ رجال يحملون الوطن في العمل لا في الكلام، ويعرفون أن المسؤولية شرف لا يكتمل إلا بالإخلاص، وأن خدمة الأردن لا تكون بالمواقع، بل بما يتركه الرجال في هذه المواقع من بصمة ووفاء وإنجاز.