الأردن ونقطة التحول الكامنة
د. حازم قشوع
09-07-2026 10:32 AM
لم تعد المنطقة تقرأ تحولات المشهد الإقليمي بوصفها أحداثًا منفصلة، بل كجزء من إعادة تشكيل شاملة لخرائط النفوذ ومواقع الاشتباك. فالمؤشرات المتسارعة توحي بأن المعارك تعود من منصات إماراتية وقطرية، على حد وصف "أكسيوس" الأمريكية، وهذا ما يجعلها تخلط الأوراق من جديد، لكن ليس بالضرورة إلى ذات الجغرافيا أو بنفس الأدوات، بل ضمن مسارات نعيد فيها تعريف ساحات الصراع وأدواته.
في هذا السياق، يبدو أن الولايات المتحدة قد نجحت في إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية عبر مقاربة تقوم على تفكيك التحالفات التقليدية وإعادة تركيبها وفق مقتضيات جديدة، من خلال زيارة ترامب لأردوغان في أنقرة، الأمر الذي أدى إلى تعزيز موقع تركيا ضمن خانة الحياد النشط، واستمالة سوريا عبر إعادة إدماجها التدريجي في النظام الإقليمي، بالتوازي مع بناء مربع خليجي أكثر تماسكًا. كلها خطوات تشير إلى سعي واضح لعزل إيران وتقليص نطاق تأثيرها الجيوسياسي.
هو التحول الذي لم يقف عند حدود السياسة، بل امتد إلى الجغرافيا العسكرية، حيث لم تعد القدس وحدها عنوان الاشتباك، بل انتقل الثقل إلى مضيق هرمز بوصفه نقطة ارتكاز استراتيجية، عبر نقطة تبدو مركزية مع تغير لون طائرة الرئاسة الأمريكية التي انتقلت من اللون الأزرق إلى اللون الأحمر بهدية قطرية.
وهنا، يتحول الصراع من بعده الرمزي إلى بعده الحيوي المرتبط بالطاقة والممرات الدولية، الأمر الذي يعيد إنتاج معادلة "اللا حرب واللا سلم" بصيغة أكثر تعقيدًا، عنوانها التوتر المستمر دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. غير أن هذه التحولات، رغم ثقلها، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الدور الأردني، الذي يبرز اليوم بوصفه أحد أهم عناصر التوازن في الإقليم. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي ومرتكزاته السياسية، لم يكن يومًا خارج معادلات الاشتباك، بل شكّل دائمًا نقطة ارتكاز في ضبط إيقاعها، مع وصول الوزير الصفدي إلى باكو في زيارة مركزية لبلورة نقطة ارتكاز جيوستراتيجية في آسيا الوسطى عبر أذربيجان، وهي التي تأتي ضمن حركة دبلوماسية نشطة تشهدها المنطقة.
إن الزاوية الأردنية في هذا المشهد تتجلى في ثلاثة مستويات متكاملة، أرسى قواعدها الملك عبد الله الثاني عبر حواراته المكثفة في الولايات المتحدة، حيث تتمثل: أولها، في البعد السياسي الذي يقوم على الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما يمنح الأردن قدرة على لعب دور الوسيط الموثوق في لحظات التوتر.
وثانيها، البعد الأمني الذي يعزز من موقع الأردن كدولة استقرار في محيط مضطرب، وهو ما يجعله شريكًا أساسيًا في أي ترتيبات إقليمية قادمة. أما ثالثها، فهو البعد الاستراتيجي المرتبط برؤية الأردن لنفسه كحامل لرسالة التوازن، لا كطرف في الاستقطاب.
لكن الأهم من التشخيص هو الانتقال إلى الفعل، وهنا تبرز الحاجة إلى حزمة من السياسات العملية التي تعمّق هذه الزاوية الأردنية وتحوّلها إلى تأثير ملموس:
أولًا: عبر بناء منصة دبلوماسية إقليمية فاعلة
عبر إطلاق مبادرة أردنية للحوار الإقليمي تجمع الأطراف المتباينة على أرضية مشتركة، مستفيدة من ثقة جميع الأطراف بالدور الأردني، وبما يعزز موقع المملكة كوسيط لا غنى عنه.
ثانيًا: من خلال تعزيز الأمن الوطني بمنظور استباقي
من خلال تطوير منظومات الرصد والتحليل الاستراتيجي، وربطها بمراكز القرار، بما يتيح للأردن التفاعل مع التحولات قبل وقوعها، لا بعدها.
ثالثًا: من خلال تعزيز الاستثمار في الاقتصاد الجيوسياسي
وذلك عبر تحويل موقع الأردن إلى منصة لوجستية إقليمية تربط الخليج ببلاد الشام، بما يعزز من دوره في معادلة الطاقة والتجارة، خصوصًا في ظل انتقال مركز الثقل إلى الخليج.
رابعًا: عبر إطلاق مشروع "الأمن الإقليمي التشاركي"
بمبادرة أردنية تقوم على صياغة مفهوم جديد للأمن الجماعي، يوازن بين المصالح الوطنية والتهديدات العابرة للحدود، ويؤسس لشراكات أمنية مرنة.
خامسًا: في تعميق البعد المعرفي في القرار السياسي
من خلال إدماج مخرجات "الهندسة المعرفية" في صناعة القرار، بما يضمن قراءة أعمق للتحولات الدولية، ويعزز من قدرة الدولة على التكيف مع متغيراتها.
سادسًا: وفي تثبيت الدور الأردني في القضية الفلسطينية
عبر إعادة تأكيد الوصاية الهاشمية على المقدسات، وربطها بالتحولات الإقليمية، بما يمنع تهميش البعد الفلسطيني في ظل انتقال بؤر الصراع.
وفي الختام، نستطيع القول إن عودة المعارك إلى المنطقة لا تعني فقط اشتعال الجبهات، بل تتضمن إعادة تعريف مراكز القوة لتكون ما بين هرمز والقدس، وما بين الخليج وبلاد الشام، وهو ما يجعل من الأردن يقف أمام فرصة تاريخية ليكون صانع توازن، لا مجرد متلقٍ لنتائج الصراع. وفي لحظة كهذه، لا يكون السؤال: أين ستدور المعركة؟ بل: من سيملك القدرة على إدارة نتائجها؟
وهنا، يمتلك الأردن كل المقومات ليكون في موقع الفعل لا رد الفعل، إذا ما أحسن تحويل رؤيته إلى سياسات، عبر تغيير في النسق الحكومي ينقل جغرافية موقعه إلى دور، وينقل تاريخه إلى مستقبل آمن يحفظ توازن المنطقة في الأمان المنشود، ويضع أرضية للتنمية الإقليمية المستدامة.