facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لماذا تسرقون الصباحات؟


رمزي الغزوي
28-07-2026 12:21 AM

للصباح مزاجه الخاص.. فهو الوقت الوحيد الذي يمنحنا فرصة أن نبدأ من جديد، كأن الحياة تعتذر لنا كل يوم عما اقترفته بنا في الأمس. ولهذا، فإن قراءة وجوه الناس في سياراتهم صباحاً، لا تحتاج إلى كثير من الفراسة واللماحية. نحن لا نبدو كأناس ذاهبين إلى أعمالهم، وإنما كأننا عائدون منها للتو، وقد أنهكتنا منغصات يوم طويل لم نعشه بعد.

ثمة من سرق صباحاتنا بهدوء. وهنا لا أقصد الازدحامات الخانقة، ولا فواتير الحياة الثقيلة، ولا حتى أخبار العالم التي لا تكف عن إنتاج أسباب القلق، وإنما أقصد بعض برامجنا الإذاعية الصباحية التي اتخذت من التشاؤم طابعا، ومن ظاهرة الشكونة والتشكي منهجاً، ومن النفخ في السواد وصفةً ناجحةً لاستمالة المستمعين.

لا أعرف ما فلسفتنا في اختيار الصباح تحديداً ليكون موعداً لكل هذا القدر من السلبية. ففي أكثر ساعات اليوم حاجةً إلى الأمل، نقرر أن نلقّن الناس درساً مكثفاً في الخيبة. وحين يكون المرء خارجاً إلى أبواب رزقه، تسبقه إلى أذنيه قصص البؤس والعجز والخذلان، حتى يخيل إليه أن الخراب قد عمّ البلاد والعباد، وأن لا أحد في هذا العالم بخير.

حتى صرنا نستورد كل موضة إذاعية تقوم على الردح والتذمر والتباكي والاستجداء، ونستنسخها بحماسة منقطعة النظير. وكأن نجاح البرنامج يقاس بعدد الآهات التي انتزعها من صدور الناس، لا بمقدار الضوء الذي تركه في نفوسهم.

وهنا لست أقلل من شأن قضايا الناس ومشكلاتهم ولا من أوجاعهم، فهي أكبر من أن تُختزل في دعوة ساذجة إلى التفاؤل. فالناس تحتاج إلى من يسمعها، وإلى إعلام يدافع عن حقوقها، ويضيء عثراتها. غير أن ثمة فرقاً كبيراً بين إعلام يفتح نافذة للحلول، وإعلام يجعل من السلبية تجارةً يومية، ويبرمج الناس نفسياً على أن العالم مكان مظلم لا يستحق سوى التأفف والشكوى.

والأشد مرارة أن بعض هذه البرامج لم تكتفِ بتكريس التشاؤم، وإنما نصّبت نفسها وسيطاً بين المواطن وحقوقه. فالشارع لا يصلح إلا إذا اتصل المذيع الفلاني برئيس البلدية، والمريض لا يعالج إلا إذا استصرخنا مدير المستشفى على الهواء مباشرة، والمسؤول لا يتذكر واجباته إلا إذا دغدغنا أصابع غروره أمام المستمعين. ومع الأيام، أخذت هذه الثقافة تكسر شيئاً من تعفف الناس وكبريائهم، وتجعل الاستجداء العلني أكثر اعتياداً وأقل وطأة على النفوس.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله بإنسان يتهيأ لاستقبال يومه، أن نقنعه منذ اللحظة الأولى أنه مهزوم. فالصباح ليس وقتاً مناسباً لتعليق الخسارات على أبواب الناس، وإنما فرصة يومية لتذكيرهم بأن الحياة، على قسوتها، ما تزال جديرة بأن تُعاش.

ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه لنا إذاعات الصباح، ألا تكون لصوصاً تسرق ما تبقى فينا من ضوء، بل نوافذ صغيرة نطل منها على يوم أقل ثقلاً، وأكثر إنسانية.

الدستور





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :