سوريا والاستقرار المميت في الزمن العثماني
د.مهند مبيضين
28-07-2026 12:51 AM
في العام الدراسي 1961-1962، وضع المؤرخ الأردني عبد الكريم غرايبة وهو يدرس في معهد الدراسات العربية بالقاهرة كتابه "سوريا في القرن التاسع عشر 1840-1876)، وضمّ محاضراته التي ألقاها على طلبة قسم الدراسات التاريخية والجغرافية. وكانت هذه المحاضرات قد أخذت عنوان: "تطوّر الأقطار السورية من 1840- 1876". وهي فترة أطلق عليها غرايبة مصطلح "التطور والتقدم"، وعادت سوريا عثمانية مرّة أخرى، لكنّها دخلت بعد أن عادت زمن الإصلاحات العثمانيّة.
وبموجب هذه الإصلاحات، ومنها خطّ شريف كلخانة وما تلاه من مراسيم إصلاحية، ومنها خطّ تشريف همايون، زادت قيمة الفرد وتعهدت الدولة باحترام حريته وحياته وحقوقه وعدم التمييز بين الرعيّة. وتوّجت تلك الحالة الإصلاحية برأي غرايبة "بخطوة أكبر حينما أعلنوا الدستور وافتتحوا مجلساً للأمّة في شوال 1293هـ-نوفمبر/تشرين الثاني 1876 وأعلنوا قيام حكم صالح ...".
في الحقبة الدستورية العثمانيّة يرى غرايبة، أن الحكم العثماني تغيّر، لكن تلك الأيام الدستورية سرعان ما انتهت بعد عامين، وباتت الدولة مفلسة والجيش مهزوما والديون متراكمة والخزانة مفلسة، وحُلّ البرلمان الأول وأقيمت دكتاتورية عبد الحميد "لإنقاذ البلاد"، وأسيء صرف القروض فلم يُنفق منها شيء على مدّ السكك الحديدية وخطوط البرق أو تحسين الموانئ ...".
لا يتوقف غرايبة في قراءته للتاريخ العثماني عند أوّليات النشوء والتكوين التاريخي، والبحث عن أصول التاريخ العثماني، بل هو يقدّمه كما كان في البلاد العربية، مذكراً بأن العرب دانوا للعثمانيين باعتبار إمبراطوريتهم دولة إسلامية يحمل سلطانها لقب خليفة ويطبق أحكام الشرع الإسلامي على المسلمين، ولا يفرق بين عربي وتركي وكردي ما دام الإسلام وحّد بينهم. وهذا ما يتّفق به مع زين نور الدين زين الذي يقول: "يجدر بنا أن نتذكر عدداً من الأمور الهامة. وهي أن العثمانيين لم ينتزعوا البلدان العربية من أيدي العرب أنفسهم، بل من أيدي المماليك. وليس لدينا أي برهان على أن العرب في بادئ الأمر كانوا يبالون بأمر أسيادهم الجدد".
ولهذا، ارتاح المسلمون واطمأنوا إلى حكم "سلطان السلاطين ملك الملوك مانح التيجان للملوك، متوج الملوك، ظل الله في الأرضين، سلطان البحرين وخاقان البرين".
وغرايبة يحدّد أسباب فشل الإصلاح العثماني بأن "المصلحين اعتقدوا أنّ الجيش هو هدف الإصلاح وواسطته، تمسكوا بالمبدأ العثماني الأساسي، وهو أنّ الدولة هي إمارة غزاة وقاعدة للجيش تسخر البلاد في خدمته، وفشلت محاولاتهم لإصلاح الجيش وحده، فاضطروا إلى إصلاح القاعدة التي تزود الجيش بقواه البشرية والمادية... ولم يقدّر لهذه الإصلاحات أن تنجح رغم موافقة رجال الدين عليها... وفشل الإصلاح على الصعيد الاقتصادي وقاد البلاد إلى الكارثة والإفلاس ولجأت الدولة إلى عقد القروض الخارجية". وكانت القروض الخارجية لعنة تصيب كل دولة.
أما العهد الحميدي فغرايبة يرى أنه من الصعوبة الحكم عليه وعلى "مظالمه وإدارته الغريبة؛ لأن الحكم العسكري الذي جاء بعده لم يثبت أنه كان أكثر صلاحاً وعدلاً وإصلاحاً من حكم عبد الحميد الفردي".
قسم غرايبة التاريخ العثماني في البلاد العربية إلى طورين؛ الأول: 1517- 1856، وفيه انقسمت الدولة إلى عدد من الوحدات الإدارية الإقطاعية واتسعت حدود الدولة وأكثرت من تغيير الولاة وأثّرت بعض الزعامات في مناطقها، ولم تطبق قواعد ثابتة لتعيين الولاة ونقلهم وعزلهم، كما اختلفت جنسياتهم. وهنا يبدو غرايبة في دراسة هذا الطور مهتماً ببيان الضعف الذي لحق بالبلاد العربية والصراع بين القوى العسكرية في كلّ ولاية، وهم الإقطاعيون والإنكشارية الإمبراطورية "القابي قول" والإنكشارية المحلية "اليرلية".
كل هذا دعم على الأرض بتقسيم إقطاعي للحيازات الزراعية، وهي ثلاثة أنواع: تيمار، وزعامة، وخاص، والفرق الوحيد بين هذه الفئات هي مقدار إيرادها، ورافق هذا التقسيم تلاعب في الأراضي، ومحاولة توريثها، وكانت صراعات الجند "القابي قول" و"اليرلية"، إحدى أبرز ظواهر هذا الطور من التاريخ العثماني في البلاد العربية. كما استقلّت الحِرف والطوائف والملل والنقابات والأحياء والحارات والعشائر، يربطها بالدولة الولاء والشريعة والضريبة التي تدفعها آخر العام.
ويخلصُ غرايبة في تقييم هذا الطور إلى أنّ الأحوال استقرّت وتجمّدت بحيث لا يجد الباحث في تاريخها شيئاً يذكر، فالتوارث والفتن على قلّتها تسير على نمط واحد، والولاة العديدون يروحون ويجيئون فلا يختلف إلا الاسم. وتمتّع العرب خلال هذه الحقبة باستقرار مميت كاد أن يقتل عندهم حبّ الحياة والبحث والاستقصاء، ولم يشارك الشعب في الحكم إلا بواسطة رجال الدين والأعيان الذين كانوا حلقة الوصل، وكانت هجرة الريف وترك الأرض بسبب الفساد وتعديات العسكر أبرز نتائج السياسات العثمانية.
وهذه النظرة السلبية للحكم العثماني ما يلبث غرايبة أن يعود ويؤكدها في نهاية حديثه عن الطور الثاني 1845- 1918، بقوله: "هكذا عاشت سوريا في ظل هذا الاستقرار البغيض المميت، الذي يعرف بالعهد العثماني حقاً... وتجمدت الأوضاع في سوريا في عهد الحكم العثماني السطحي، ولما خطوا للتطور، بدأوه بخطى بطيئة واتبعوا خططاً جعلت الأكثرية الإسلامية تعتقد أن هذا التطور لم يكن إلا تدخلاً إفرنجياً مسيحياً، ونما كره للدولة وللتطور وللغرب، وتوالت النكبات على العرب والأتراك، وكلا الشعبين كان ضحيّة لحكم سطحي مجمد ضحيته الاستقرار الطويل".
بهذا الرأي، خلص عبد الكريم غرايبة الذي كان متأثراً بالخطاب القومي في زمن عبدالناصر الذي كان معجباً به، إلى تقييم الحكم العثماني الذي لم يسمِّه فتحاً أو احتلالاً، بل اعتبر الدولة العثمانيّة، دولة سلطانية يحكمها خليفة مسلم ويدين له العرب بالولاء.
قطع غرايبة مع التاريخ العثماني في الزمن الذي سبق الوصول العثماني للبلاد العربية، أي إنه لم يذهب إلى دراسة الأصول والجذور العثمانيّة، ممّا يعني أنه اعتبر السلطة الجديدة بعد المماليك مكملة للمسار الذي سبق، لكنه لم يتوانَ عن تحميل العثمانيين مسؤولية تخلف البلاد العربية وضعفها، نتيجة للاستقرار المميت.
مجلة المجلة