خطاب الملك .. حين يصبح الصمت سياسة
محمود أبو هلال
23-09-2026 02:21 PM
لم يكن خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطابا تقليديا، ولا مجرد إعادة صياغة للموقف الأردني من الحرب على غزة والقضية الفلسطينية. ولعل أهم ما في الخطاب أنه تحدث عن نموذج للعلاقات الدولية، مفاده أن تآكل القانون والثقة بالاتفاقيات والمؤسسات يجعل كل أزمة أكثر صعوبة.
وفي إشارة واضحة للدول الكبرى حمّل الملك المجتمع الدولي مسؤولية التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره أزمة ينبغي احتوائها بدلا من حلها. وتحول المؤقت إلى دائم مع مرور الوقت، وكيف أصبح خرق القانون الدولي أمرا يمكن تجاوزه بالبيانات والقرارات التي تنتهي، كما قال، "حبرا على ورق".
وفي السياق ذاته طرح الملك سؤالا أكثر إحراجا: "إذا كان المجتمع الدولي يملك أدوات العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، وقد استخدمها في أزمات أخرى، فلماذا يصبح استخدامها مستحيلا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؟" ولذلك وصف التقاعس السياسي بأنه خيار، لا نتيجة لغياب الخيارات.
وفي الحديث عن الضفة الغربية، لم يتعامل الملك مع الأحداث باعتبارها وقائع متفرقة، بل رآها جزءا من سياسة واحدة هدفها دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أرضهم، وسمّى ذلك بوضوح "التهجير القسري"، وهو جريمة حرب. كما رفض الفصل بين غزة والضفة، معتبرا أن ما يجري فيهما مساران لاستراتيجية واحدة (التدمير في غزة والضم الفعلي في الضفة)، والنتيجة هي جعل قيام الدولة الفلسطينية أمرا مستحيلا.
ثم اتسع الخطاب من فلسطين إلى الإقليم. فحين تحدث الملك عن سوريا، لم يضع التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري في خانة التطورات الأمنية العابرة، بل ربطها بالتوسع الجغرافي وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك ما يمس مصادر مائية حيوية. وهنا جاءت الرسالة الأردنية الأكثر وضوحا: أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، والأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.
ومع ذلك، لم يقدم الملك الأردن بوصفه دولة تبحث عن التصعيد، بل دولة ستبقى منفتحة على الحوار، ومتمسكة بالدبلوماسية والسلام، وستواصل في الوقت نفسه مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، ودعم الأونروا، ودعم صمود الفلسطينيين، والحفاظ على الوصاية الهاشمية والوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
ولعل أهم جملة تختصر روح الخطاب جاءت في نهايته حين قال: "إن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُفهم على أنه ضعف". وهي رسالة تبدو موجهة إلى طرف واحد تحديدا.
لقد كان خطابا جامعا.. وأوضح أن الأردن دولة تحاول أن تواجه أزمات المنطقة، لكنها لا تريد أن تجعل الأزمة قدرا دائما لها.. لقد تحدث الملك بلغة الدبلوماسية، لكنه لم يستخدم الدبلوماسية ذريعة للصمت.