facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تكثر التصريحات .. أين يقف الأردن؟


محمد مطلب المجالي
30-09-2026 08:40 AM

في إقليم مضطرب تتسارع فيه الأحداث، وتكثر فيه التصريحات وتتضارب المواقف، يجد المواطن نفسه أمام مشهد سياسي شديد التعقيد، تتبدل فيه الروايات بسرعة، وتختلط الرسائل السياسية بالحسابات الإعلامية، حتى أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الموقف الثابت ورد الفعل العابر.

وفي مثل هذا المشهد، يحتاج الأردن إلى وضوح في الرؤية، لأن الدولة لا تستطيع أن تتعامل مع أزمات المنطقة بمنطق الانفعال، ولا أن تجعل حساباتها رهينة لما يقال هنا أو هناك.

الأردن يقف في قلب الأحداث بحكم موقعه، ويتعامل مع ملفات إقليمية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لكنه في الوقت نفسه دولة لها اقتصادها المحدود وإمكاناتها المعروفة والتزاماتها تجاه شعبها. ومن هنا فإن المطلوب ليس أن يحمل الأردن أعباء المنطقة كلها، ولا أن يتحول موقعه الجغرافي إلى قدر سياسي يفرض عليه تحمل ما يفوق قدرته.

لقد أظهر الاقتصاد الأردني قدرة على الصمود أمام الصدمات، لكن ذلك لا يعني أن كلفة الأزمات بلا حدود. فصندوق النقد الدولي أشار إلى أن تداعيات الحرب الإقليمية أثرت في الأردن من خلال الطاقة والسياحة وارتفاع تكاليف الشحن، مع بقاء الاقتصاد صامدًا بفضل السياسات الاقتصادية والاحتياطيات والدعم الدولي. كما حذر من أن استمرار الاضطرابات لفترة أطول يمكن أن يزيد الضغوط على النمو والحسابات المالية والخارجية.

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا أمام السؤال الأهم: إلى أي مدى يستطيع الأردن الاستمرار في التقدم إلى واجهة الأحداث، بينما المواطن يواجه أصلًا ضغوط المعيشة، والاقتصاد يحتاج إلى فرص عمل واستثمارات ونمو، والدولة مطالبة في الوقت نفسه بخفض الدين والمحافظة على استقرارها المالي؟

ليس المقصود أن يتراجع الأردن عن دوره أو أن يتخلى عن ثوابته، فهذا ليس مطروحًا أصلًا، وإنما أن يكون حضوره السياسي محسوبًا وفق إمكاناته ومصالحه، وأن يعرف الجميع أن للدولة قدرة محدودة على الاحتمال، وأن أي أزمة طويلة في الإقليم ستترك آثارًا لا تظهر كلها في اليوم الأول.

فالسياحة يمكن أن تتأثر، وحركة التجارة يمكن أن تتراجع، وكلفة الطاقة والنقل يمكن أن ترتفع، والاستثمار قد يتردد، وكل ذلك ينعكس في النهاية على الاقتصاد وفرص العمل وعلى حياة الناس. وقد أشار البنك الدولي أيضًا إلى أن استمرار الصراع يرفع المخاطر على الأردن عبر التجارة والسياحة والطاقة والتحويلات وتكاليف السلع.

ولذلك فإن المسؤولية السياسية تقتضي ألا ننظر إلى الحاضر وحده، بل إلى ما قد تتركه الأزمات من آثار بعد انتهائها. فقد تنتهي المواجهة السياسية، لكن تبقى فاتورة اقتصادية تحتاج سنوات لمعالجتها.

الأردن يستطيع أن يكون حاضرًا ومؤثرًا، لكن الحضور لا يعني أن يدفع وحده كلفة الأزمات، ولا أن يتحمل فوق طاقته، ولا أن يسمح بأن تتحول ظروف المنطقة إلى عبء دائم على اقتصاده ومجتمعه.

وفي المقابل، فإن الجبهة الداخلية تحتاج إلى إدارة أكثر حساسية للمرحلة؛ إدارة تضع الاقتصاد وفرص العمل والاستثمار وتحسين الخدمات وحماية الطبقة الوسطى والفئات الأقل قدرة ضمن أولوياتها، لأن قوة الموقف الخارجي تحتاج إلى قاعدة اقتصادية واجتماعية متماسكة في الداخل.

كما أن كثرة التصريحات المتضاربة في الإقليم تفرض على الأردن أن يكون أكثر دقة في اختيار كلماته، وأكثر حذرًا في التعامل مع التطورات، وألا يدخل في كل سجال سياسي، فليس كل تصريح يستحق ردًا، وليس كل أزمة تحتاج إلى أن يصبح الأردن طرفًا مباشرًا فيها.

السياسة ليست بكثرة الظهور، وإنما بحسن إدارة المصالح. وقد يكون أحيانًا أقوى المواقف أن تقول الدولة ما تريد بوضوح، ثم تترك للدبلوماسية أن تقوم بالباقي.

الأردن أمام معادلة دقيقة: المحافظة على ثوابته، وحماية أمنه وسيادته، والوقوف إلى جانب القضايا التي يؤمن بها، وفي الوقت نفسه حماية اقتصاده من كلفة إقليم لا يملك السيطرة على مساراته.

وهذه ليست دعوة إلى الانكفاء، وإنما دعوة إلى الواقعية؛ فالدولة التي تعرف إمكاناتها تستطيع أن تتحرك بثقة، والدولة التي تتجاهل حدود قدرتها قد تجد نفسها بعد سنوات أمام أثمان لم تكن محسوبة.

الأردن ليس مطلوبًا منه أن يغيب عن المشهد، لكنه أيضًا ليس مطالبًا بأن يحمل المشهد كله على كتفيه.

فالمصلحة الوطنية تقتضي أن يبقى الأردن حاضرًا بعقل سياسي هادئ، وموقف واضح، ودبلوماسية فاعلة، وأن تكون حسابات الاقتصاد والمجتمع والمستقبل حاضرة في كل قرار.

فالأوطان لا تُحمى بالمواقف وحدها، وإنما بموازنة الموقف مع القدرة، والحاضر مع المستقبل، والدور السياسي مع مصلحة المواطن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :