من مفتاح السباكة الى مقود الطائرة !!
م. مدحت الخطيب
03-10-2026 11:44 PM
بعد مقالي السابق بعنوان «حين تتكلم الطائرة لا تكذب الصور»، انهالت عليّ الاتصالات من زملاء إعلاميين وأهل اختصاص يطالبون قراءة ما جرى من زاوية إعلامية علمية وواقعية، وتفند الكذب السياسي الذي تحدث به ((النتن ياهو)) ومن لفّ لفّه، والذي، بالمناسبة، لا ينطلي على طفل صغير، قراءة بالتأكيد لا تتوافق ولا تتعامل مع الروايات الجاهزة التي خرجت بها وسائل الإعلام الإسرائيلية وبعض القنوات التابعة لها، وعشاق اللايكات والمشاهدات
نعم، أنا لا أملك تقرير التحقيق، ولم أشاهد بيانات الصندوقين الأسودين، فلهم كلمة الفصل، ولذلك لا أضع نفسي مكان المحققين، لكنني أملك حق السؤال كمهندس وخبير في فحص المواد اللاإتلافية سيدة القول والفصل في سلامة وديمومة أجزاء ومكونات الطائرة فعلم الطيران لا يخضع للقصص والخرافات وأهازيج المخبولين، فهو علم يجمع بين قوانين الفيزياء والديناميكا الهوائية والهندسة والرياضيات، ولا يترك مجالًا للارتجال أو ردود الفعل العفوية، قوانين الكذب والهراء
المعلن رسميًا أن الطائرة كانت على ارتفاع يقارب 34 ألف قدم، طبعًا هذا غير مؤكد إلى الآن، ثم هبطت خلال فترة وجيزة إلى نحو 17 ألف قدم، قبل أن تهبط لاحقًا إلى قرابة 15 ألف قدم وبعدها يتم السيطرة عليها وتهبط بكل أمان
بيانات التتبع المنشورة تؤكد وجود هبوط حاد وتغيرات كبيرة في الارتفاع والسرعة
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية العلمية، والتي أفردت لها جزءًا من مقالتي السابقة وأفرد لها جزء اخر في مقالي هذا... نعم، كيف لطائرة تحلق على هذا الارتفاع، ويحصل لها هبوط مباغت وسريع، أن لا تتأثر بالظروف المحيطة وتتفكك الكثير من أجزائها او تتأثر على الأقل ؟ فكل قطعة لها قدرة وتحمل معلوم لنا.. وكذلك، ومن مشاهداتنا لداخل الطائرة، لم نشاهد أي أضرار داخلية، أو تحركًا للحقائب، أو حتى، وعلى الأقل، تأثر أي من الركاب بسبب تغير الضغط والارتطام، فجلّهم خرج دون أي إصابات
كيف لي أن أصدق، وبعد هذه الخبرة العلمية والعملية، أن هناك شخصًا غير مدرّب(( سباك)) تولّى فجأة التعامل مع طائرة ركاب في حالة اضطراب شديد؟ فهل تكفي معرفة نظرية أو مشاهدة برنامج تلفزيوني ليعرف كيف يتعامل مع أنظمة التحكم، والسرعة، والاتجاه، والارتفاع، والإنذارات، ويعيد الطائرة إلى حالة مستقرة؟
هذه ليست سيارة تُمسك بمقودها فتسير في الاتجاه الذي تريده، يا من تستخفون بعقول العالم
والأكثر إثارة للأسئلة أن الروايات المتداولة نفسها لا تبدو متطابقة: رواية تتحدث عن دخول الركاب إلى قمرة القيادة، وأخرى عن فتح الباب في لحظة مختلفة، مع أن الباب يُفتح برقم في بعض الطائرات ويكون سريًا، فيما تشير تقارير أخرى إلى وجود طاقم وطيارين احتياط على متن الطائرة ساهموا في استعادة السيطرة
أما الحديث عن «البطل الموسرجي» الذي أنقذ الطائرة، فهذا هراء سياسي كُتبت له السيناريوهات في غرف الموساد، ولكنه للأسف،نفذ بإخراج مخزٍ لا يليق حتى بالأفلام الهندية الخيالية
أنا لا أقول إن الحادثة لم تقع، ولا أقول إن الروايات التي نسمعها كلها كاذبة، باختصار ما زلت أنتظر بيانات الصندوقين الأسودين
نحن أهل الطيران لا نقبل أن تُحلل حركة طائرة آلاف الأقدام في السماء بشهادة شاهد، أو بصورة منتشرة على وسائل التواصل، أو بخطاب سياسي باهت
نريد بيانات الطائرة، ومسجلات الرحلة، وتسجيلات قمرة القيادة، وتسلسل الأحداث بالدقيقة والثانية، وتحليل السلطات المختصة في السعودية والإمارات، وبعدها فقط يصبح للكلام معنى علمي
فالطائرة لا تعرف نتنياهو، ولا تعرف الرواية الإسرائيلية، ولا تعرف الرواية الموسرجيّة وهذرباتها
الطائرة تعرف الفيزياء وديناميكا الهواء فقط... والفيزياء لا تجامل أحدًا، مهما كثر من حولها المطبّلون
أنا أعمل في مجال الطيران منذ أكثر من عشرين عامًا، وخلال هذه السنوات تعلمت قاعدة لا تتغير: في الطيران، الخطأ ليس تفصيلًا… والخبرة ليست ترفًا
لذلك أقول لمزيفي الحقائق، ومهرّجي الأفلام والمسلسلات، وأصحاب العقد السياسية: فلنترك الطيران لأهله، والسباكة لأهلها، والسياسة للسياسيين
فالطائرة لا تنجو من الروايات… بل من العلم والتدريب والإجراء الصحيح. فاتركوا لأهل الاختصاص كلمتهم، فسلامة الطيران آخر معقل لا تتدخل فيه أيادي الفاسدين
##مقالي ليوم الأحد في الدستور
* مدير قسم فحص المواد اللاتلافية في الشركة الأردنية لصيانة محركات الطائرات مطار الملكة علياء الدولي وخبير دولي معتمد
Medhat_505@yahoo.com