لليوم العالمي للمشي .. حين تصبح الخطى رسالة وطن
عبدالرحيم العرجان
05-10-2026 10:40 AM
في اليوم العالمي للمشي، لا أجد نفسي أمام مناسبة عابرة للاحتفال برياضة بسيطة، بقدر ما أجدها فرصة للحديث عن تجربة وطنية أصبحت جزءًا من حياتي ورسالة أؤمن بها؛ تجربة بدأت بخطوة، ثم تحولت مع مرور السنوات إلى ترحال وبحث وكتابة وتصوير، وإلى محاولة مستمرة لاكتشاف المكان وتوثيقه، والتعريف بما تحمله الطرق من قصص وذاكرة وطبيعة وإنسان، مكرسا ذلك للترويج الوطني.
المشي... انتماء وتعلّم
المشي بالنسبة لي لم يكن يومًا مجرد وسيلة للوصول، بل كان وسيلة لاكتشاف المكان والإنسان والتاريخ والطبيعة، ومصدرًا للمعرفة والتعلّم والتعليم.
فعندما تسير، ترى تفاصيل لا تراها من نافذة السيارة، وتسمع أصوات الطريق، وتلمس تضاريسه، وتلتقي بأهله، وتقرأ التاريخ في الحجارة القديمة والدروب التي دكتها اقدام الناس قبلنا، وتكتشف حكايات كثيرة لم تحظَ، للأسف، بما يكفي من التوثيق الإعلامي والسياحي.
على مدى سنوات، حملتني قدماي في رحلات داخل بلدي وخارجه، وكان كل مسار فرصة جديدة لفهم العلاقة بين الإنسان والجغرافيا.
وفي وطني تحديدًا، وجدت في ذلك وسيلة للخلوة بالنفس واكتشاف تنوع استثنائي، غني بالغابات والجبال والأودية والصحارى والحياة الفطرية، إلى جانب المواقع الإنسانية والتاريخية العريقة.
حين يحظى الطريق باهتمام القيادة الهاشمية
في وطني، لم يعد المشي مجرد نشاط فردي يمارسه محبو الطبيعة والمغامرة، بل أصبح جزءًا من المشهد السياحي والبيئي الذي يحظى باهتمام رسمي وعلى أعلى المستويات.
وتتجلى إحدى أبرز صور هذا الاهتمام في إنعام جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين على جمعية درب الأردن بوسام الملك عبدالله الثاني للتميز من الدرجة الثانية، تقديرًا لجهودها في تشجيع سياحة المغامرة "المسير"، ودعم المجتمعات المحلية، وتعزيز الاستدامة في المناطق التي يمر بها الدرب.
وهذا التكريم يحمل دلالة مهمة لكل من يؤمن بثقافة المشي والمسارات؛ فهو يؤكد أن الدروب ليست مجرد طرق في الطبيعة، وأن المسير ليس نشاطًا ترفيهيًا فحسب، بل يمكن أن يكون وسيلة لتعزيز الاقتصاد السياحي، وتمكين المجتمعات المحلية، وإحياء المسالك التاريخية والطبيعية، وإعادة تقديمها للعالم بصورة متكاملة.
المشاركة الملكية... حين تسير القيادة على الطريق
وجاء الاهتمام الملكي بصورة عملية أيضًا، عندما شارك جلالة الملك عبدالله الثاني، يرافقه سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، في السير على مرحلة من درب الأردن في أم قيس، في رسالة واضحة إلى أهمية المسارات وسياحة المغامرة.
كما رافق سمو ولي العهد، في بداية العام، عددًا من الناشطين والرحالة في مسير داخل محمية غابات اليرموك، واطلع على تجاربهم في الاستكشاف والمغامرة وإعداد المحتوى، في تأكيد لأهمية السياحة البيئية ودورها في التمكين المجتمعي وإبراز المواقع وما تحمله من إرث وثقافة.
وكان لجلالة الملكة رانيا العبدالله حضور أيضًا في تجربة درب الأردن وبعض المسارات الريفية برفقة ابناء المكان اخرها هذا الربيع بمنطقة سحم الكفارات كما اطلعت على مبادراتهم في هذا المجال، بما يعكس اتساع الاهتمام بهذه الثقافة الرياضية وتجارب الاستكشاف و عيش حياة التجربة.
هذه المواقف ليست مجرد مناسبات، وإنما رسائل واضحة لكل من يعمل بصمت؛ بأن الطريق يمكن أن يكون وسيلة للتنمية، وأن المسارات قادرة على أن تصبح مقصدًا للحضور الدولي.
درب الأردن... طريق يختصر حكاية وطن
ولعل درب الأردن هو النموذج الأوضح على قدرة المشي على تقديم الأردن بصورة مختلفة.
فالمسار الوطني يعبر المملكة من الشمال إلى الجنوب، ضمن ثلاثة أقاليم، مانحًا الزائر فرصة لا للمشاهدة فقط، وإنما للعيش في التفاصيل، والتعرف إلى أهل المكان، ومشاهدة التنوع الطبيعي والثقافي على امتداد الطريق.
وتكمن قيمة المسارات في أنها لا تختصر المسافة، بل تختصر حكاية وطن.
ومع ما حققه درب الأردن من حضور وطني ودولي، فإن الحفاظ على هذا المنجز يتطلب مواصلة صيانته ورفع كفاءته، وتوفير أسعار تفضيلية للأردنيين، بما يشجعهم على خوض هذا المعترك والتعرف إلى وطنهم ودوما نقول "من يسير على ترابه يحب بلادة".
كما ينبغي مواصلة تطوير المسارات وضمان استدامتها، وإحياء مسالك تاريخية وطبيعية قديمة أشرت إلى بعضها في ابحاثنا ومقالات سابقة، إلى جانب الاهتمام بمسارات المحميات الطبيعية التي تديرها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة بكل اقتدار، والتي تمثل بدورها نموذجًا مهمًا في التنظيم وربطها بحماية الطبيعة، وقد حققت حضورًا يشار له بالبنان وجوائز على المستوى الدولي.
نسير في الوطن... ونكتب لأجله
ومن هنا جاءت كتاباتي؛ فلم تكن المقالة بالنسبة لي وصفًا لرحلة أسبوعية انتهت، بل محاولة لفتح الطريق أمام القارئ إلى مكان قريب ربما لم يسمع به من قبل، أو إلى تجربة تستحق أن تُروى.
خلال السنوات الماضية، بلغ رصيدي 185 مقالًا في سياحة المغامرة والمسير والترحال والطبيعة، أتاحتها للجميع عبر وسائل الإعلام، ووصل صداها إلى متابعين عبر الحدود، كان من بينهم من جاء إلى وجهات تحدثت عنها في كتاباتي، إلى جانب خمسة أبحاث متخصصة وعشرات الندوات والمحاضرات على منابر محلية ودولية.
وفي كل ذلك، حاولت أن أجعل القارئ والمستمع يرى المكان قبل أن يزوره، وأن يشعر بأن الطريق قصة تُروى، وليس مجرد خط على الخريطة.
وتوجت هذه التجربة بكتاب «مسارات المسير والترحال في الأردن»، الذي وثقت فيه جانبًا من تجربتي، إيمانًا مني بأن توثيق الطريق لا يقل أهمية عن قطعه.
رحلاتي... نافذة أخرى على الأردن
حاولت أن أجعل من رحلاتي إلى الخارج وسيلة للتعلم والمعرفة، وفي الوقت نفسه نافذة أخرى أطل منها على وطني.
فعندما أبلغ قمم جبال بعيدة، أو أعبر صحراء في بلد آخر، أو أصل إلى مسار لا يعرفه كثيرون، لا أذهب بصفتي رحّالًا يبحث عن المغامرة فقط، بل أحمل معي رسالة موطني تارك بها اثر يدوم هناك، وأرفع علم بلادي لتوثيق اللحظة، معتبرًا نفسي سفيرًا له، وفي كل تجربة أبحث عن فكرة يمكن أن نستفيد منها في تطوير مساراتنا وتجاربنا المحلية.
أسافر لأتعلم... وأعود لأخدم
أصور، وأكتب، وأنشر، وأتحدث، وأقارن التجارب، وأبحث دائمًا عما يمكن أن نستفيد منه، وكيف يمكن أن نعود نقطة التقاء لقوافل العالم، وجسرًا يصل بين الممالك والحضارات.
فالعالم مليء بالوجهات المذهلة، والمنافسة السياحية تزداد، لكننا نمتلك تنوعًا استثنائيًا في مساحة جغرافية محدودة؛ من البترا إلى وادي رم، ومن مادبا إلى المغطس، ومن المسارات التي تحمل ذاكرة الثورة العربية الكبرى إلى الغابات والجبال والصحارى والأودية.
وهذا التنوع لا يحتاج فقط إلى أن نعرفه، بل إلى أن نسير فيه، ونوثقه، ونحافظ عليه، ونقدمه للأجيال القادمة وللزائر من مختلف أصقاع الأرض.
المشي... ثقافة لا مناسبة
اليوم، نحن بحاجة إلى ثقافة مجتمعية ترى في المشي نشاطًا جامعًا ومتاحًا للجميع، ضمن إطار قانوني محفز للهواة والممارسين، إلى جانب ما هو قائم من تنظيمات تخدم استخدام المسارات لأغراض السياحة.
فالمشي ليس ترفًا يحكمة ارتفاع تكاليف الملابس والادوات والرحلة ذاتها، ولا ينبغي أن يبقى مرتبطًا بمناسبة أو فئة محددة؛ إنه وسيلة للصحة العامة والمعرفة والتواصل مع المكان، ويمكن أن يكون مدخلًا لاكتشاف الوطن بطريقة مختلفة.
لهذا اليوم... وللغد
وفي هذا اليوم، أقول لكل من يقرأ: ليس مطلوبًا منك أن تمشي عشرات الكيلومترات، أو أن تعبر الجبال والفيافي.
ولا تنتظر أن تصبح رحّالًا حتى تمشي... امشِ أولًا، وربما تقودك الخطوة الأولى إلى رحلة العمر.
أما أنا، فسأواصل السير والتصوير والكتابة والبحث والتعريف بوطني بكل فخر واعتزاز، ونقل التجارب بكل ما أستطيع؛ إيمانًا بأن العمل الحقيقي يمكن أن يبدأ بإمكانات ذاتية محدودة، وأن الاستمرار بدعم يصنع أثرًا بحجم طموحنا، وأن الرسالة لا تتوقف على كثرة الموارد بقدر ما تعتمد على وضوح الهدف والإصرار عليه.
نسير في الوطن... ونكتب لأجله.
رحّال وباحث في سياحة المغامرة