facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العتابُ بحجم الوفاء يا معالي الوزير


فيصل تايه
06-10-2026 09:57 AM

لم يكن يوم المعلم الذي أقامته وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية أمس، في المركز الثقافي الملكي، مجرد مناسبة احتفالية؛ فهو يومٌ يتصل بمكانة المعلم، وبذاكرة مؤسسة تربوية صنعت عبر عقود أجيالاً من أبناء الوطن. ولهذا، فإن الاحتفال بالمعلم لا ينبغي أن يُقرأ في حدود فقراته ومنصته، بل في حدود الرسالة التي يمثلها، والذاكرة التي يحملها.

ومن باب الوفاء لا العتاب، ومن باب الحرص لا المؤاخذة، تفرض المناسبة بعض الأسئلة التي لا تأتي لتجرح الوزارة، بل لتُذكّرها ببهائها المكتمل، وتستدعي ذاكرتها التي هي سرّ قوتها ومصدر هيبتها.

ولأن دلالة المناسبة تُقاس أيضاً بمستوى الاهتمام الذي تحظى به، فإن إقامة "يوم المعلم" تحت رعاية دولة رئيس الوزراء تمنحه منذ البداية بُعداً وطنياً يتجاوز الإطار التربوي المعتاد؛ فالتعليم وبناء الإنسان وتنمية الموارد البشرية، وهي من القضايا التي أكد جلالة الملك أهميتها في مسيرة نهضة الوطن، ليست شؤوناً قطاعية ضيقة، بل قضايا دولة ومستقبل.

ومن هنا، كان حضور دولة الرئيس، لو سمحت ظروفه، سيضيف إلى المشهد ما يليق بهذه الدلالة، ويؤكد أن تكريم المعلم ليس شأناً تربوياً فحسب، بل قضية وطنية تحظى باهتمام الدولة وتقديرها.

والعتب هنا إنما على فرصة كان يمكن أن تمنح المناسبة حضوراً وطنياً أوسع، ورسالة أكثر قوة إلى المعلمين بأن الدولة، قيادةً ومؤسسات، تقف إلى جانبهم وتقدر رسالتهم.

ثم إن قراءة مشهد يوم المعلم ينبغي أن تنفذ إلى ما وراء المشهد، حيث الذاكرة التربوية الممتدة التي صنعت هذه المسيرة جيلاً بعد جيل.

كان يمكن لهذا اليوم أن يكون يوماً وطنياً جامعاً للتربية والتعليم، تلتقي تحت سقفه أجيال صنعت هذه المسيرة وأثّثت بيت التربية حجراً بعد حجر: وزراء تربية سابقون ، وأمناء عامون وقيادات تربوية حملوا أمانة التخطيط والإدارة والميدان، ومعلمون متقاعدون من خيرة أبناء الوطن وصفوته أمضوا أعمارهم في الصفوف والمدارس، وتركوا فيها من الأثر ما لا تمحوه سنوات التقاعد.

وليس المقصود أن يكون هؤلاء جميعاً على منصة التكريم؛ فمجرد دعوتهم وحضورهم بين زملائهم ومعلمي الميدان هو في حد ذاته تكريم يليق بمكانتهم. فالوفاء لا يكتفي بأن يكرّم من هم في المشهد، بل يتذكر من صنعوا المشهد. وإن حضور الرواد والأوائل لا ينقص من قدر المكرمين اليوم شيئاً، بل يمنح تكريمهم أبعادًا أعمق، ويقول للأجيال إن ما نراه اليوم امتداد لمسيرة طويلة من العطاء.

ورغم حضور عدد محدود من المعلمين المتقاعدين، فإن ذاكرة التربية تبقى أوسع من أن تختصرها أسماء قليلة؛ فهي ذاكرة مؤسسة كاملة، وتاريخ وطن لا يبدأ كل عام مع احتفال جديد. إن التقاعد ينهي الخدمة الوظيفية، لكنه لا يُسقط الأثر، ولا يطوي الصفحات المضيئة.

ولعل "قصر الثقافة"، بما يمثله من فضاء وطني رحب، كان يمكن أن يكون المكان الأنسب لاحتضان يوم المعلم؛ وهو المكان الذي يحتضن مناسبات تربوية رفيعة، وفي مقدمتها حفل جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي.

إن اتساع المكان هنا ليس مسألة عدد، بل رسالة؛ فحين تتسع القاعة لتجمع المعلمين والقيادات والرواد والمتقاعدين، يصبح الاحتفال أكثر تعبيراً عن قيمة المناسبة، وأكثر وفاءً لمن حملوا رسالة التربية عبر أجيالها.

وحين تلتقي هذه الوجوه والأجيال في يوم المعلم، من وزراء وقيادات تربوية ومعلمين أمضوا أعمارهم في الميدان، يتحول الاحتفال من موعد سنوي إلى رسالة عميقة: أن لهذه المؤسسة ذاكرة، وأن ذاكرتها ليست عبئاً على الحاضر، بل سندٌ للمستقبل وجذرٌ ضارب في الأرض.

فاستحضار من صنعوا مسيرة التربية لا يضيف إلى المناسبة أسماءً فحسب، بل يضيف إليها معناها؛ ويؤكد أن الوفاء للماضي ليس التفاتاً إلى الوراء، وإنما احترامٌ لما نريد أن نبني عليه المستقبل.

ثم إننا أمام وزارة جديدة في رؤيتها ورسالتها؛ فالتحول إلى "وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية" ليس تبديلاً في الاسم، بل تبديل في الأفق. فهذه وزارة باتت مظلتها أوسع من التعليم بمفهومه التقليدي، ورسالتها أعمق من إدارة شؤونه، لتلامس بناء الإنسان وتنمية موارده وقدراته، وربط التعليم بمستقبل الوطن واحتياجاته.

ومن هنا، فإن يوم المعلم نفسه ينبغي أن يخرج من الإطار التقليدي، ليشمل كل من يحمل رسالة التعليم ويصنع المعرفة والإنسان؛ من معلم المدرسة إلى أستاذ الجامعة، لأن اتساع مظلة الوزارة يفرض اتساع مفهوم التكريم أيضاً. فالأستاذ الجامعي، وهو الذي يعلّم ويبحث ويصنع المعرفة ويهيئ أجيالًا جديدة من أبناء الوطن، هو معلم كذلك، وإن اختلف موقعه في السلم التعليمي.

فالمناسبة أكبر من برنامج، والمعلم أكبر من مناسبة. والجهة التي أوكلت إليها هذه المهمة قادرة على صناعة برنامج ناجح، غير أن مناسبة بهذا الوزن تستحق أن تُبنى على رؤية أوسع من حدود البرنامج، وأن تتسع لذاكرة التربية وأجيالها. ومن هنا تبدو الحاجة إلى لجنة عليا خاصة بيوم المعلم، تضع للمناسبة رؤيتها العامة، وتمنحها امتدادًا وطنيًا يليق بالمعلم ومكانته، لتغدو تظاهرة وطنية تلتقي فيها أجيال التربية، ويكون فيها المعلم، حاضرًا وماضيًا، في قلب المشهد.

انني من خلال هذا الطرح لا انتقص من جهد الوزارة أو من القائمين على الاحتفال؛ فكل من أسهم في إنجاح المناسبة يستحق الشكر والتقدير. وإنما هي دعوة إلى أن نرفع سقف الطموح كلما تعلق الأمر بالمعلم، وأن نمنح هذه المناسبة حضوراً رسمياً ومجتمعياً يوازي حجم الرسالة التي يحملها أصحابها.

يا معالي الوزير، هذا عتاب بحجم الوفاء، لا أكثر. عتاب من يرى في وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية مؤسسةً تستحق أن تكون ذاكرتها بحجم رسالتها، واحتفالها بالمعلم بحجم ما قدّمه المعلم للوطن.

فالمعلم ليس فقرة في برنامج، ولا اسماً في قائمة مكرمين؛ المعلم هو بعض الحكاية التي كُتب بها هذا الوطن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :