في عالمٍ اعتدنا فيه أن نقيس ثروات الدول بما تختزنه أراضيها من موارد، يأتي شاب أردني من عمّان ليذكّرنا بحقيقة مختلفة: أن أعظم ثروات الأوطان ليست ما تختزنه الأرض، بل ما تختزنه عقول أبنائها.
اسمه أمجد مسعد، مؤسس شركة "ريبلت(Replit)، وابن المهندس فوزي مسعد، أحد مهندسي مدينة عمّان. وصلت القيمة التقديرية لشركته في مارس 2026 إلى نحو تسعة مليارات دولار. رقمٌ لافت، لكنه ليس أهم ما في الحكاية؛ فالقيمة الحقيقية ليست في المليارات، بل في الفكرة التي تجرأت على تغيير قواعد صناعة البرمجيات، وطرح سؤال بسيط وعميق: لماذا تبقى صناعة التطبيقات حكرًا على من يتقنون لغات البرمجة؟
بدأت الحكاية من عمّان، حيث نشأ أمجد واكتشف مبكرًا شغفه بالحاسوب والبرمجة. ومن مقاعد الدراسة في جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا، إلى العمل في شركات تقنية أمريكية، وصولًا إلى تأسيس «ريبلت» عام 2016 مع شركائه، كان يشق طريقًا لم يكن مرسومًا أمامه، مدفوعًا بالفضول والتعلّم الذاتي والإصرار.
والمفارقة الجميلة أن الشاب الذي عرف تحديات الوصول إلى أدوات البرمجة، أصبح يقود شركة تسعى إلى جعل صناعة البرمجيات متاحة للجميع.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، لم تعد «ريبلت» مجرد منصة لكتابة الأكواد، بل أصبحت تتيح للمستخدم وصف فكرته بلغته الطبيعية، لتساعده أدواتها الذكية على تحويلها إلى تطبيق قابل للتطوير.
وهنا تكمن الثورة الحقيقية :لم يعد الابتكار حكرًا على من يمتلك المهارة التقنية، بل أصبح أقرب إلى من يمتلك الفكرة والخيال والجرأة.
لكن خلف هذا النجاح سؤال أردني كبير، وربما مؤلم: لماذا نصنع العقول في الأردن، ثم نحتفل بنجاحها في الخارج؟
لماذا يستطيع شاب أردني بناء شركة بمليارات الدولارات في وادي السيليكون، بينما يجد كثير من المبدعين صعوبة في تحويل أفكارهم إلى مشاريع عالمية داخل وطنهم؟
المشكلة ليست في ندرة العقول، ولا في غياب الطموح. فالأردن غني بكفاءاته العلمية والتقنية. لكن الموهبة وحدها لا تصنع اقتصادًا، كما أن البذرة الجيدة لا تصنع غابة إذا افتقدت التربة والماء والرعاية.
نحتاج إلى منظومة لا تكتفي بتخريج المتعلمين، بل تصنع المبتكرين؛ جامعات تربط المعرفة بالسوق، وتمويل يؤمن بالأفكار المبكرة، وتشريعات تيسّر تأسيس الشركات ونموها، وثقافة لا تعتبر الفشل نهاية الطريق، بل جزءًا من رحلة التعلم.
وليس المطلوب أن نمنع العقول من السفر؛ فالعالم اليوم فضاء مفتوح للمعرفة والفرص. المطلوب أن نجعل الأردن مكانًا يستطيع فيه المبدع أن يبدأ، وينمو، وينافس عالميًا، وأن نحول نجاح أبنائنا في الخارج إلى جسور للاستثمار والمعرفة والفرص في الداخل.
فالأوطان لا تخسر عقولها لمجرد أنها غادرت جغرافيًا، بل حين تعجز عن الاستفادة من خبراتها وربط نجاحاتها بمستقبلها.
إن قصة أمجد مسعد ليست مجرد حكاية نجاح فردي، بل اختبار لقدرتنا على الانتقال من اقتصاد يبحث عن الوظائف إلى اقتصاد يصنع الشركات، ومن تعليم يكافئ الإجابات المحفوظة إلى تعليم يحتفي بالأسئلة الجريئة.
نفتخر بأمجد، نعم. لكن الفخر الحقيقي ليس أن نحتفل باليونيكورن الأردني بعد أن يولد في الخارج، بل أن نبني البيئة التي تسمح بولادة العشرات منه داخل الأردن.
ولكل شاب في عمّان وإربد والكرك والطفيلة ومعان، وفي كل قرية أردنية، رسالة من هذه الحكاية: لا تجعل محدودية الإمكانات تحدد حدود أحلامك، ولا تنتظر أن يمنحك أحد الإذن بالابتكار.
فالجغرافيا قد تحدد نقطة البداية، لكنها لا ينبغي أن تحدد سقف الطموح.
الأردن لا تنقصه العقول التي تستطيع صناعة المليارات، بل يحتاج إلى منظومة تؤمن بأفكارها قبل أن يؤمن بها العالم.
وبيني وبينكم… ربما يكون «اليونيكورن» الأردني القادم جالسًا الآن في غرفة صغيرة، أمام حاسوب متواضع، في بيت من بيوت الأردن، يحمل فكرة لا يعرف العالم قيمتها بعد.
فهل نمنحه فرصة ليكبر بيننا… أم ننتظر حتى ينجح بعيدًا عنا، ثم نحتفل به؟
ملاحظة: اليونيكورن (Unicorn) هو مصطلح يُطلق في عالم ريادة الأعمال على الشركات الناشئة التي تتجاوز قيمتها السوقية التقديرية مليار دولار أمريكي، دون أن تكون مدرجة في البورصة