قراءة نقدية في منهج الباحث سراح محمود السرارحة وأسلوبه الأدبي
12-10-2026 01:01 PM
عمون - قراءة باسم الوليدات - يقدم الباحث سراح محمود السرارحة في دراسته الموسومة بـ "النثر الشعري والشعر المنثور: قراءة في نتاجي جبران خليل جبران وأمين الريحاني" نموذجاً نقدياً رفيعاً يعكس وعياً معرفياً عميقاً بتحولات القصيدة العربية الحديثة، وقدرة استثنائية على تفكيك النصوص الأدبية بعيداً عن القوالب المعيارية الصارمة.
تتجلى قيمة هذا العمل وأسلوب الباحث في عدة أبعاد منهجية وجمالية:
1. الشجاعة المنهجية والأصالة الفكرية:
يُحسب للباحث خوضه مساراً نقدياً متفرداً؛ فلم ينحَز بطريقة تبسيطية إلى "قصيدة النثر" بحدودها المتأخرة، ولا إلى القصيدة الكلاسيكية بأطرها الخليلية، بل وقف في المساحة الإبداعية الفاصلة بين "الشعري واللاشعري". وانطلق من سؤال معرفي جوهري: "ما الذي يجعل من الكلام شعراً؟"، وهو سؤال يُعيد الاعتبار لـ "جوهر الشعرية" بوصفها حالة متجاوزة للشكل والقالب، ومفتوحة على التحول الحضاري والفكر المستمر.
2. التناول الشمولي والتوازن بين المفهوم والتطبيق
اتسم منهج السرارحة بالتكامل بين التنظير والتحليل التطبيقي:
التأصيل الفكري والنفسي: لم يكتفِ الباحث بالوقوف عند مظاهر التجديد الشكلية، بل غاص في سيكولوجيا اغتراب أدباء المهجر وأثر تجربة الغربة والحنين في تفجير طاقاتهم الإبداعية، معرجاً على الأبعاد القومية، والإنسانية، والفلسفية.
التفكيك الأسلوبي والفني: أظهر الباحث دراية بدقائق التشكيل الجمالي في النص؛ حيث رصد كيفية تعويض غياب الوزن الخارجي التقليدي عبر أدوات الإيقاع الداخلي، والتوازي، والتكرار، والتقابل، والتشكيل الطباعي.
3. الرصانة العلمية ولغة الطرح الأدبية
جمع السرارحة في كتابته بين الدقة الأكاديمية والذائقة الجمالية؛ فالمنهج الوصفي التحليلي لم يأتِ جافاً أو آلياً، بل جاء مطوعاً لخدمة النص ورصد ظواهره الشفافة. وقد مكنته خلفيته الرؤيوية من إعادة قراءة التراث الشعري (من الفراهيدي والأخفش وصولاً إلى الموشحات والتجارب الحديثة) ليرسخ فكرة أن التجديد هو الأصل في مسيرة الشعر العربي.
إنَّ عمل الباحث سراح السرارحة ليس مجرد رصد تاريخي لتجربة جبران والريحاني، بل هو إضافة نقدية نوعية استطاعت رتق المساحات المتناثرة بين الرؤى النقدية المختلفة، وتقديم قراءة تبشر بمستقبل نقدي واعد يواكب تحولات الخطاب الشعري المعاصر.