مقاعد ممتلئة وأفكار شاغرة
رمزي الغزوي
13-10-2026 12:08 AM
كيف يمكن أن يمتلئ البرلمان بالأحزاب، وتظل الحياة السياسية تشكو من غيابها؟ سؤال يبدو متناقضا، لكنه يلخص مفارقة عجيبة تستحق أن نقلق منها. فقد نجحنا في إيصال الأحزاب إلى مقاعد مجلس النواب، ومنحناها أسماء وهياكل ومقار واعترافا تشريعيا، ثم اكتشفنا أن الحضور في المكان لا يعني بالضرورة الحضور في الحياة. كأننا شيدنا بيتا سياسيا واسعا، وفتحنا نوافذه، وعلقنا أسماء ساكنيه على الأبواب، ثم وقفنا في الخارج ننتظر أن نسمع من داخله صوتا يشبه الحياة. هذه المفارقة ظلت ترافقني، أول أمس، وأنا أتابع ندوة حول «الأحزاب في الإصلاح السياسي.. الصورة والأثر».
لدينا 30 حزبا ونحو 85 ألف منتسب فقط، وتشير الأرقام المطروحة إلى أن 130 نائبا من أصل 138 ينتمون إلى أحزاب سياسية. ومع ذلك، يصعب أحيانا العثور على هويات فكرية واضحة تميز حزبا عن آخر. تتشابه اللغة، وتزدحم البيانات بالمفردات الكبيرة، ثم يغيب الجواب حين يسأل المواطن عن البطالة أو الضرائب أو التعليم. فما جدوى التعدد الحزبي إذا كانت الأحزاب نسخا متفاوتة الأسماء من الخطاب نفسه؟
والأشد إثارة للاستغراب أن بعض الأحزاب التي يفترض أن تعزز الممارسة الديمقراطية في المجتمع، لا تزال تختار قياداتها بالتزكية. فأي مفارقة هذه؟ نريد من المواطن أن يؤمن بصندوق الاقتراع، فيما تتردد بعض المؤسسات الحزبية في الاحتكام إليه داخل بيوتها. وحين تصبح التوافقات الشخصية بديلا عن التنافس الفكري، نكون أمام عادات سياسية قديمة ترتدي ملابس حديثة.
غير أن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا التعثر يخفي نصف المشكلة. فالتشريعات فتحت الأبواب، لكنها لم تضمن للأحزاب دورا مؤثرا في صناعة السياسات العامة. وما تزال الثقافة المجتمعية تحمل حذرها القديم من العمل الحزبي، فيما تحتاج الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات العامة إلى ممارسة أكثر جدية في احتضان الاختلاف السياسي. أما الشباب والنساء، فلا يكفي أن نحصي أسماءهم في سجلات العضوية الحزبية إذا ظلت القرارات تصنع بعيدا عنهم.
ولفتني في الندوة ذلك التناقض بين عصر تتسابق فيه الأفكار عبر المنصات الرقمية، وأحزاب تبدو أحيانا عاجزة عن مخاطبة الناس خارج موسم الانتخابات النيابية. والمشكلة أعمق من ضعف الاتصال السياسي؛ فالمنصات تستطيع إيصال الرسالة، لكنها لا تستطيع اختراع موقف سياسي لمن لا يمتلكه. وليس مطلوبا من الحزب أن يعارض كل شيء، وإنما ألا يصمت عن كل شيء.
حين انتهت الندوة، بقي عنوانها يلح علي: «الصورة والأثر». عدت إلى ذلك البيت الذي تخيلته وفكرت أننا ربما انشغلنا طويلا بتشييده، وأتقنا ترتيب غرفه، ثم استعجلنا الاحتفال باكتماله قبل أن نسأل عمن يسكنه. فالصورة الحزبية يمكن أن تصنعها القوانين والأرقام واللافتات، أما الأثر فلا تصنعه إلا المواقف. وأخشى أن نكتشف، بعد كل هذا البناء، أننا نجحنا في إدخال الأحزاب إلى البرلمان، ولم ننجح بعد في إدخال السياسة إلى الأحزاب.