لا إصلاح إدارياً بلا إصلاح مالي: من يقيس كفاءة إنفاق المال العام؟
د. مثقال القرالة
18-10-2026 09:27 AM
لم يعد تطوير القطاع العام في الأردن مقتصراً على تحديث الهياكل التنظيمية وتسريع إنجاز المعاملات، بل أصبح يرتبط بقدرة الدولة على تحويل كل دينار تنفقه إلى قيمة حقيقية يلمس المواطن أثرها. فنجاح الإدارة العامة لا يُقاس بعدد المعاملات المنجزة أو حجم الإنفاق، وإنما بكفاءة استخدام الموارد، وجودة الخدمات، والنتائج المتحققة. ومن هنا، فإن الإصلاح الإداري والمالي وجهان لعملية تحديث واحدة؛ إذ لا يكفي الالتزام بالموازنة وتنفيذ مخصصاتها ما لم يسهم الإنفاق في تحسين الخدمات، ورفع الإنتاجية، وتقليل الوقت والجهد والتكلفة على المواطنين. ويقتضي ذلك الانتقال من ثقافة تركز على تنفيذ الإجراءات إلى ثقافة تقيس النتائج والقيمة المتحققة من الإنفاق العام، من خلال الإجابة عن أسئلة جوهرية: ماذا حققت المؤسسات مقابل ما أنفقته؟ وهل يمكن تقديم الخدمات بجودة أعلى وتكلفة أقل؟ وما أثر البرامج الحكومية في تحقيق الأولويات الوطنية؟ وهنا تبرز أهمية المحاسبة الحكومية بوصفها أداة استراتيجية لدعم القرار، وتقييم الأداء، وكشف الهدر، وتحسين تخصيص الموارد، بدلاً من الاقتصار على تسجيل الإيرادات والنفقات وإعداد التقارير المالية.
وفي هذا السياق، يصبح تطوير محاسبة التكاليف ضرورة لقياس التكلفة الفعلية للخدمات والعمليات والبرامج الحكومية، ومقارنة الأداء وتحديد فرص التحسين، دون إخضاع الخدمات العامة لمنطق الربحية على حساب العدالة في تقديمها. كما ينبغي ربط الموازنة العامة بالأهداف والنتائج من خلال مؤشرات أداء قابلة للقياس ومراجعة دورية تُمكّن من تحديد البرامج الأكثر فاعلية وتلك التي تحتاج إلى تطوير. فالموازنة ليست مجرد أرقام وبنود إنفاق، بل أداة لترجمة الأولويات الوطنية إلى نتائج ملموسة. ولا يكتمل الإصلاح دون تطوير الرقابة المالية والتدقيق الداخلي، بحيث لا يقتصر دورهما على التحقق من الالتزام بالإجراءات واكتشاف المخالفات بعد وقوعها، بل يمتد إلى الوقاية من الأخطاء، وتقييم المخاطر، وتحسين الضوابط، ورفع كفاءة الإنفاق. وبذلك تصبح الرقابة شريكاً في التطوير المؤسسي وتعزيز المساءلة، لا مجرد إجراء لاحق لتنفيذ المعاملات.
كذلك، يتيح التحول الرقمي فرصاً واسعة لتطوير الإدارة المالية الحكومية من خلال تكامل أنظمة الموازنة والمشتريات والمحاسبة والموارد البشرية وإدارة المشاريع، بما يدعم تتبع الإنفاق وتحليل التكاليف والانحرافات. ويمكن توظيف الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة في التنبؤ بالاحتياجات المالية وتحديد المخاطر وتحسين التدقيق، شريطة توافر بيانات موثوقة وضوابط واضحة ورقابة بشرية مناسبة. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يقتصر على تحويل المعاملات الورقية إلى إلكترونية، بل يقوم على إعادة تصميم العمليات الحكومية واتخاذ القرارات استناداً إلى بيانات متكاملة وأدلة موثوقة. غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب، إلى جانب التكنولوجيا، تطوير الكفاءات البشرية، وتوضيح المسؤوليات، وتعزيز ثقافة المساءلة، وربط تقييم الأداء بنتائج قابلة للتحقق. كما ينبغي أن تكون مؤشرات القياس متوازنة، بحيث لا يؤدي التركيز على خفض التكلفة إلى الإضرار بجودة الخدمات أو عدالتها. فالكفاءة المالية لا تعني الإنفاق الأقل دائماً، بل تعني توظيف الموارد في المكان والوقت المناسبين لتحقيق أفضل قيمة ممكنة.
وفي الأردن، يتطلب تحويل الإصلاح المالي والمحاسبي إلى واقع عملي تبنّي خطوات تنفيذية واضحة تبدأ باختيار عدد من المؤسسات والخدمات الحكومية ذات الإنفاق المرتفع أو الطلب المتزايد، وتحديد تكلفتها الفعلية ومستوى جودتها والوقت اللازم لإنجازها، لتكون خط أساس تُقاس عليه نتائج التحسين. يلي ذلك تطوير مؤشرات أداء مالية وتشغيلية تربط المخصصات المالية بالنتائج المستهدفة، مثل تكلفة الخدمة، ومتوسط زمن إنجازها، ونسبة الأخطاء، ومستوى رضا المستفيدين، ومدى تحقيق الأهداف المحددة. كما ينبغي تعزيز تطبيق محاسبة التكاليف، وربط بيانات الموازنة والمشتريات والمحاسبة وإدارة المشاريع ضمن أنظمة رقمية متكاملة تتيح متابعة الإنفاق وتحليل الانحرافات بصورة دورية. ولضمان فاعلية هذه الإجراءات، يتعين تحديد مسؤولية كل جهة عن تحقيق النتائج، وإعداد تقارير ربع سنوية توضح الفجوات بين المستهدف والمتحقق، مع وضع خطط تصحيحية تتضمن إجراءات محددة ومسؤوليات وجداول زمنية. ويمكن إخضاع النتائج لمراجعة مستقلة من الجهات الرقابية المختصة، والاستفادة من ملاحظاتها في تحسين الأداء ومنع تكرار أوجه القصور. كذلك، ينبغي تنفيذ برامج تدريب متخصصة للعاملين في المحاسبة والإدارة المالية والتدقيق الداخلي، والتوسع التدريجي في استخدام التحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي لاكتشاف المخاطر وتحسين التنبؤ المالي، وفق ضوابط تضمن دقة البيانات وسلامة القرارات. وأخيرًا، فإن نشر ملخصات واضحة عن تكاليف الخدمات ونتائجها ومستوى التحسن المتحقق سيعزز الشفافية والمساءلة وثقة المواطنين. ويمكن البدء بهذه الخطوات بصورة تجريبية، ثم تقييم نتائجها قبل تعميمها على بقية المؤسسات الحكومية، بما يضمن أن يستند التوسع في الإصلاح إلى أدلة عملية لا إلى مؤشرات شكلية.
إن كفاءة إنفاق المال العام ليست مسألة محاسبية فحسب، بل قضية تتعلق بأولويات الدولة وجودة الإدارة وعدالة توزيع الموارد والثقة بالمؤسسات. ولذلك، يجب أن يكون الإصلاح المالي والمحاسبي جزءاً أصيلاً من الإصلاح الإداري، بحيث لا يقتصر تقييم المؤسسة الحكومية على مدى التزامها بموازنتها، بل يشمل قدرتها على تفسير كيفية إنفاق مواردها، والنتائج التي حققتها، والإجراءات التي ستتخذها لتحسين أدائها مستقبلاً. فالسؤال الذي ينبغي أن يحكم مسيرة تحديث القطاع العام ليس كم أنفقنا، ولا كم معاملة أنجزنا، بل ماذا حققنا للمواطن مقابل ما أنفقناه؟ عندها يصبح المال العام أداة للتنمية، والمحاسبة وسيلة للإصلاح، والتحديث الحكومي تغييراً ملموساً في حياة الأردنيين.