facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كيف نكتب تاريخ الوطن دون أن نُجزّئ هويته؟


محمد نور الدباس
21-10-2026 08:48 AM

* من سرديات المدن إلى السردية الجامعة

لا تُكتب السرديات الوطنية بقرار إداري، ولا تُصاغ الهويات الجامعة بمجرد تكرار الشعارات، ولا يُختزل تاريخ الأوطان في رواية واحدة تُروى من المركز وتُهمَّش على هامشها حكايات المدن والقرى والمجتمعات التي أسهمت في تشكيلها، فالسردية الوطنية الحقيقية هي حصيلة تفاعل التاريخ والجغرافيا والإنسان، وهي محاولة واعية لفهم كيف نشأت الدولة، وكيف تشكّل المجتمع، وما الذي جمع أبناء الوطن رغم اختلاف بيئاتهم وتجاربهم ومصالحهم.

من هنا، تبرز أهمية المبادرات التي يقوم بها أفراد ومؤسسات لتوثيق تاريخ المدن والمحافظات الأردنية، وصياغة سردية خاصة بكل منها، تستند إلى وثائقها وشخصياتها وأحداثها وتحولاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بجدوى هذه المبادرات وحدها، بل بقدرتها على الإسهام في بناء سردية أردنية جامعة، فهل تقودنا سرديات المدن إلى اكتشاف وحدة التجربة الوطنية، أم قد تتحول، إذا أُسيء توظيفها، إلى روايات متوازية تتنافس على تمثيل التاريخ والهوية؟

إن الإجابة تقتضي التمييز بين توثيق تاريخ المكان، وبين تفسير موقعه في تاريخ الوطن، فلكل مدينة أردنية خصوصيتها، ولكل محافظة ذاكرتها، ولكل مجتمع محلي إسهاماته وتجربته في مواجهة التحولات التي مر بها الأردن، لكن هذه الخصوصيات لا تكتسب معناها الوطني الكامل بمجرد سرد أحداثها منفصلة؛ بل حين نكشف عن صلتها بمسيرة الدولة الأردنية، وعن إسهامها في بناء مؤسساتها، وترسيخ استقرارها، وتطوير مجتمعها، وصياغة هويتها الوطنية.

فالسلط والكرك وإربد ومعان والعقبة وعمّان وسائر المدن والبلدات ليست جزرًا تاريخية معزولة، وإنما فضاءات متفاعلة داخل تجربة وطنية واحدة، وما شهدته من تحولات، وما قدمته من شخصيات وكفاءات وتضحيات، وما أنتجته من تجارب اجتماعية وثقافية واقتصادية، يمثل أجزاء من صورة الأردن التي لا تكتمل إلا بجمعها وتحليل العلاقات بينها، فتاريخ المدينة يجيب عن سؤال المتمثل بماذا حدث هنا؟ أما السردية الوطنية فتجيب عن سؤال أعمق وهو، ماذا تعني هذه الأحداث في مسيرة الوطن؟

وهذا الفارق هو ما ينبغي أن يحكم مشروع توثيق السرديات المحلية؛ حتى لا يتحول إلى مجرد استعراض للمفاخر، أو منافسة بين المناطق على الأسبقية في تقديم التضحيات، أو محاولة لإثبات أن مدينة بعينها كانت أكثر تأثيرًا من غيرها في بناء الدولة، فالأوطان لا تُبنى بالمفاضلة بين مكوناتها، بل بتراكم إسهاماتها وتفاعلها.

ويبرز هنا سرديات الأقليات، فهل هي إثراء الهوية أم تجزئة السردية الوطنية؟ فعند الحديث عن السرديات المحلية، لا يمكن تجاهل مسألة أكثر حساسية وأهمية، تتمثل في سرديات الأقليات الدينية والإثنية والثقافية، وسرديات الجماعات التي تمتلك ذاكرة تاريخية وتجارب اجتماعية خاصة داخل المجتمع الأردني.

فالمجتمعات لا تتشكل من رواية اجتماعية واحدة متطابقة، بل تضم تجارب وذاكرات متعددة، تتقاطع في بعض محطاتها وتختلف في أخرى، وقد تحمل جماعة ما ذاكرة خاصة عن نشأتها، أو مساهمتها في الحياة العامة، أو تجربتها في التعليم والعمل والحياة السياسية والثقافية، أو علاقتها بالمؤسسات والتحولات التي شهدتها الدولة.

إن توثيق هذه الذاكرات ليس تنازلًا عن وحدة الهوية الوطنية، بل يمكن أن يكون تعبيرًا عن نضجها، متى جرى في إطار المواطنة المتساوية والاحترام المتبادل والبحث التاريخي المنهجي، فالسردية الأردنية الجامعة لا ينبغي أن تتجاهل المكونات الدينية والثقافية والإثنية التي أسهمت في تشكيل المجتمع، كما لا ينبغي أن تختزل أي مكوّن في هويته الفرعية، أو تجعل منه كيانًا منفصلًا عن الفضاء الوطني المشترك.

وهنا لا بد من التمييز بين مفهومين؛ الاعتراف بالتعددية، وتحويل التعددية إلى تجزئة للهوية الوطنية، فالاعتراف بالتعددية يعني إتاحة المجال أمام كل جماعة لتوثيق تاريخها، وصيانة ذاكرتها، وإبراز إسهامات أبنائها، وتصحيح ما قد يكون لحق بها من إغفال أو سوء فهم تاريخي، أما التجزئة فتبدأ حين تتحول الرواية الخاصة إلى إطار مغلق لتفسير التاريخ كله، أو حين يُقدَّم الانتماء الفرعي باعتباره بديلًا من الانتماء الوطني، أو حين تُستخدم الذاكرة التاريخية لتكريس المسافة بين المواطنين بدلًا من فهم المشتركات التي تجمعهم.

وليس المقصود هنا إنكار خصوصية الجماعات أو مطالبتها بالتخلي عن ذاكرتها لصالح رواية رسمية موحدة؛ فذلك من شأنه أن يُضعف الثقة بالمشروع الوطني نفسه، فالمطلوب هو أن تجد الذاكرات المتعددة مكانها في التاريخ الأردني، من دون أن يتحول أي منها إلى رواية حصرية أو معيار للانتماء والمواطنة.

كما أن مصطلح «الأقليات» يحتاج إلى استخدام دقيق، فلا ينبغي أن يكون تصنيفًا جامدًا يحصر جماعات بشرية في مرتبة اجتماعية أو سياسية، أو يفترض تجانسها الداخلي، فلكل جماعة تنوعها، ولكل فرد هوياته وانتماءاته المتداخلة، وقد يكون الانتماء المحلي أو الوطني أو الديني أو الثقافي حاضرًا بدرجات مختلفة في تجربة الإنسان، ولذلك ينبغي أن يظل التوثيق مفتوحًا أمام الأفراد والتجارب الفعلية، لا أسيرًا للتصنيفات المسبقة، والسردية الأردنية التي تستوعب هذا التنوع هي سردية قادرة على التمييز بين وحدة الدولة وتعدد المجتمع؛ فالوحدة لا تعني التطابق، كما أن الاختلاف لا يعني الانقسام.

فمن يكتب السردية؟ ومن يملك حق رواية التاريخ؟ فثمة تحدٍّ آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالجهة التي تتولى توثيق هذه السرديات، فحين يترك المشروع للأفراد وحدهم، قد يخضع أحيانًا للمصالح الشخصية أو الذاكرة الانتقائية أو الروايات العائلية والعشائرية، وحين تحتكره المؤسسات الرسمية، قد يتعرض لخطر الاقتصار على الرواية المؤسسية وإغفال التجارب التي لم تجد طريقها إلى السجلات الرسمية، والحل ليس في إقصاء أي من الطرفين، بل في بناء شراكة معرفية تجمع الجامعات والمؤرخين ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية والبلديات والمجتمعات المحلية، وتتيح للأفراد تقديم وثائقهم وشهاداتهم، ضمن منهجية علمية واضحة.

فالذاكرة الشفوية مصدر مهم، لكنها ليست بديلًا من التحقق التاريخي، والشهادة الشخصية قد تكشف جانبًا لا يظهر في الوثائق الرسمية، لكنها تحتاج إلى المقارنة مع شهادات أخرى وسجلات وأدلة مستقلة، كما أن الاختلاف بين الروايات لا ينبغي أن يُخفى أو يُحسم لمصلحة الرواية الأكثر نفوذًا؛ بل يجب توثيقه وتفسيره، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والتقديرات والتأويلات، والمطلوب ليس إنتاج تاريخ دعائي، ولا صياغة رواية مثالية تخلو من التعقيد، بل بناء معرفة تاريخية موثوقة تستطيع مواجهة الأسئلة الصعبة، وتفسير التحولات والتحديات، والاعتراف بالتجارب المختلفة، من دون أن تفقد البوصلة الوطنية الجامعة.

والمشروع الوطني يبدأ من المحافظات ولا ينتهي عند حدودها؛ فيمكن للأردن أن يتبنى مشروعًا وطنيًا متكاملًا لتوثيق السرديات المحلية، يبدأ من المدن والقرى والمحافظات، ويمتد ليشمل الذاكرات الاجتماعية والثقافية والدينية والإثنية، وصولًا إلى صياغة سردية وطنية تستند إلى هذا الرصيد المعرفي.

ويقتضي ذلك إنشاء أرشيف رقمي وطني يجمع الوثائق والصور والسجلات والشهادات الشفوية، وإعداد خرائط زمنية للأحداث والتحولات، وتوثيق إسهامات مختلف فئات المجتمع، بما فيها النساء والشباب والعمال والمزارعون والمعلمون والجنود والفاعلون الثقافيون والمدنيون، كما يقتضي ربط هذه المواد بالمناهج التعليمية والبحوث الجامعية والبرامج الثقافية والإعلامية، وفق ضوابط تحفظ حقوق أصحاب الوثائق وخصوصية الأفراد.

والأهم أن تُعتمد معايير موحدة للتوثيق، لا لتوحيد النتائج أو فرض تفسير واحد، وإنما لضمان سلامة المنهج وإمكانية المقارنة بين الروايات، فليس مطلوبًا أن تتطابق سردية كل محافظة مع الأخرى، وإنما أن تكون جميعها قابلة للفهم ضمن سياق تاريخي وطني مشترك، ومن الضروري أيضًا ألا يُنظر إلى السردية الأردنية بوصفها مشروعًا لاستحضار الماضي وحده، فالتاريخ لا يكتسب قيمته من عدد الشخصيات التي نستذكرها أو الأحداث التي نحتفي بها، بل من قدرتنا على فهم التحولات التي صنعت حاضرنا، وتفسير تطور الدولة والمواطنة والعلاقة بين المجتمع ومؤسساته، واستيعاب أثر المتغيرات الإقليمية والدولية في المسار الأردني.

والسردية الوطنية ليست رواية مغلقة؛ فالخطر الأكبر الذي يواجه أي مشروع للسردية الوطنية هو أن يتحول إلى رواية مغلقة تُحدَّد نتائجها مسبقًا، ثم تُجمع الشواهد لتأكيدها، فالتاريخ علم قائم على البحث والتحقق والمراجعة، وليس نصًا نهائيًا لا يقبل الإضافة أو التصحيح.

ولذلك فإن السردية الأردنية الجامعة ينبغي ألا تكون مجرد سردية رسمية، ولا حاصل جمع حسابي لسرديات المحافظات والأقليات والجماعات المختلفة. إنها عملية تفسير وتركيب، تكشف المشتركات، وتفهم الاختلافات، وتضع التجارب المحلية في سياق تشكّل الدولة الأردنية وتطورها، مع احترام الحق في البحث والنقاش العلمي، وقد تتباين التفسيرات بشأن بعض الوقائع التاريخية، وقد تختلف الجماعات في ترتيب أولويات ذاكرتها أو في تقدير دلالات أحداث بعينها، وليس من الضروري إزالة هذه الاختلافات جميعها؛ فالمهم أن يجري التعامل معها بأدوات المعرفة والحوار، لا بمنطق الإقصاء أو المنافسة على ملكية الوطن وتاريخه.

فالأردن ليس ملكًا لسردية مدينة، ولا لجماعة، ولا لجيل، ولا لمؤسسة بعينها، تاريخه أوسع من أن تحتكره رواية واحدة، وهويته أغنى من أن تُختزل في بُعد واحد، ومستقبله يحتاج إلى ذاكرة مشتركة لا تمحو الاختلاف ولا تسمح له بأن يتحول إلى حاجز بين المواطنين، والمشروع الحقيقي يبدأ حين ننتقل من السؤال المتمثل بماذا تقول كل مدينة عن نفسها؟ وماذا تقول كل جماعة عن تاريخها؟ إلى السؤال الأكثر عمقًا؛ ماذا تكشف هذه الروايات مجتمعة عن كيفية تشكّل الأردن، وعن إسهامات أبنائه، وعن القيم والتجارب التي صنعت مسيرته الوطنية؟

فالسردية الأردنية الجامعة لا تُبنى بإلغاء سرديات المدن والمحافظات والأقليات، ولا بمجرد جمعها في أرشيف واحد؛ بل بربطها في سياق وطني مشترك، يحفظ الخصوصيات، ويصون الذاكرة، ويعترف بالتنوع، ويجعل المواطنة إطارًا جامعًا للانتماء، وعندها فقط يصبح توثيق السرديات المحلية أكثر من مشروع لحفظ الماضي؛ يصبح مشروعًا لبناء الوعي الوطني، وترسيخ الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وتقديم صورة أكثر اكتمالًا عن الأردن الذي تشكّل بتنوع أبنائه، ويواصل بناء مستقبله بشراكتهم جميعًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :