خرجوا ضد الغلاء في فرنسا .. فأصبح المهاجرون عنوانًا للأزمة
سمير حمدان - بودابست
24-10-2026 05:52 PM
يخرج الناس لأن رواتبهم لم تعد تكفي، ثم يجدون أنفسهم في معركة أخرى، هل يسمع الجمهور مطالبهم، أم ينشغل بأصولهم والأعلام التي يحملونها، في الاحتجاجات الفرنسية، ظهرت محاولات موثقة لتحميل المهاجرين والتضامن الفلسطيني مسؤولية أزمة بدأت من صعوبة العيش، وهكذا يتراجع الحديث عن الأجور والمدارس والسكن، ويتقدم السؤال عمن ينتمي إلى البلد ومن يهدده .
وصفت أسوشيتد برس تحركات السابع عشر من أكتوبر بأنها احتجاجات ضد تكاليف المعيشة وسوء أوضاع المدارس، تخللتها اعتداءات ونهب، ومن واجب الصحافة عرض ما جرى، فالمتضررون يستحقون أن تُسمع أصواتهم أيضًا، لكن صورة مخرب لا تختصر آلاف المحتجين، وملامح وجهه لا تكشف جنسيته، والفرنسي الذي تنحدر عائلته من بلد آخر يبقى فرنسيًا، سواء احتج أو ارتكب جريمة يحاسبه عليها القانون .
وللضيق المعيشي ما يفسره، فبحسب الإحصاء الفرنسي، استقر الفقر النقدي النسبي عند ١٥٫٤٪ سنة ٢٠٢٤، رغم تحسن مستويات المعيشة الحقيقية، وتظهر يوروستات أن السكن استهلك في السنة نفسها نحو ٣٧٪ من الدخل المتاح لدى المعرضين للفقر في الاتحاد الأوروبي، مقابل ١٦٪ لدى من تجاوزوا عتبته، وهي أرقام أوروبية توضح كيف يضغط السكن على أصحاب الدخول المحدودة، أما تباطؤ ارتفاع الأسعار فلا يعيد إلى الأسرة ما فقدته من قدرتها على الشراء .
ومن يربط الاضطرابات بالهجرة يمكن تسميته، ففي الثامن عشر من أكتوبر، حمّل دونالد ترامب الهجرة مسؤولية العنف ودعا فرنسا إلى إغلاق حدودها، وفق ما نقلته أوروبا١، ورصدت لوموند مواقف مشابهة لنايجل فاراج وأليس فايدل، هكذا دخل اتهام المهاجرين كلام شخصيات سياسية نافذة، مع أن تصريحاتها لا تقدم دليلًا على مسؤولية جماعة كاملة، ولا نعرف منها مقدار تأثيرها في الجمهور .
وفي اليوم نفسه، نشر بيير سابا بموقع تريبون جويف مقالًا يعمم اقتران العلم الفلسطيني بالشغب، ويطالب بالتحقيق في صلات محتملة بالسفارة الفلسطينية، لكن ظهور العلم لا يثبت علاقة السفارة بمن يحمله، وهذا رأي الكاتب الذي يتحمل مسؤوليته، وتعميمه على اليهود الفرنسيين يكرر الخطأ نفسه الذي نرفضه حين يُتهم المهاجرون جميعًا بأفعال بعضهم .
وتساعد الصور المضللة على نشر هذه الاتهامات، فقد كشفت مالديتا أن فيديو لأعلام فوق برج إيفل مصنوع بالذكاء الاصطناعي، وكان ناشره الأول قد وصفه بأنه غير حقيقي، ووثقت تشيكيادو تقديم مظاهرة تضامن مع غزة من مايو ٢٠٢٥ باعتبارها من احتجاجات أكتوبر، وسبق لفرانس برس كشف فيديو لحرق العلم الفرنسي نُسب إلى مهاجرين بفرنسا رغم تصويره في طنجة، ومواجهات بعيد العمال قُدمت باعتبارها احتجاجًا فلسطينيًا .
هذه وقائع محددة عن تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد، أو إقحامها في مشاهد لا تخصها، ولا تكفي لإثبات وجود جهة واحدة تدير التشويه، فقد يستفيد منه خصوم الهجرة وخصوم التضامن الفلسطيني لأسباب مختلفة، وقد ترتاح حكومة مأزومة حين ينصرف الناس عن قراراتها، لذلك نحتاج إلى معرفة من فعل ماذا، بدل توزيع البراءة والاتهام بحسب الأصل والعلم .
وعلى المحتجين حماية سلميتهم وتحديد مطالبهم ومن يتفاوض باسمهم، فالمتجر المحروق مصدر رزق، والحافلة المدمرة يحتاجها العامل للوصول إلى عمله، وعلى الحكومة ملاحقة المعتدين وتقديم أجوبة عن الأجور والسكن والخدمات، فالشارع قد يهدأ ويبقى الغضب في البيوت، وتفريق الحشود لا يصلح مدرسة ولا يخفف الإيجار .
ما سيحدث الآن يتوقف على رد الحكومة وقدرة المحتجين على الاستمرار، فالتفاوض حول الأجور والسكن والخدمات يفتح باب الاتفاق، واتساع الإضرابات مع تعطل الحوار قد يهز الحكومة، أما تراجع الاحتجاج وصعود الدعوات لطرد المهاجرين فقد يمنح اليمين المتشدد أصواتًا جديدة، فيما تبقى أسباب الغضب، وتجارب البلدان الأوروبية تختلف بحسب قوة نقاباتها ومؤسساتها والحماية التي توفرها للناس .
والحكم على الوعود يبدأ بما يتغير في حياة الناس .
المهم أن يبقى حق الناس في الحياة الكريمة حاضرًا بعد انطفاء الحرائق، وأن تُحاسب السلطة على قراراتها والأفراد على أفعالهم، فتشويه الغضب لا يحتاج إقناع الفقير بأن معاناته وهم، يكفي إقناعه بأن جاره سببها .