الإرهاب سلعة .. والمدرسة خط الدفاع الأول
د. محمود المساد
30-10-2026 09:03 PM
الإرهاب ليس نبتًا أصيلًا في بيئة أو مجتمع. لقد بات منتجًا يُصنَّع ويُتاجر به، يُباع بالقطعة، ولمدة زمنية، وبعقد بيع مقابل ثمن محدد.
له مجالاته الفكرية والاقتصادية والعسكرية، وله أنواعه كما السيارات: ماركات ودرجات كفاءة وقطع غيار ومخازن. وله وكلاؤه وتجاره وحراجه، وله بورصته التي يُصدَّر منها ويُستورد. ينشط الطلب عليه في الحروب والصراعات، حتى باتت الحروب نفسها تُفتعل من أجل تسويقه وضمان استمرار تشغيله.
وتعددت مفاهيمه حتى ضعنا: مرة اسمه المرتزقة، ومرة اسمه المافيا، ومرة اسمه الأقلام المأجورة. الأسماء تتبدل والسلعة واحدة.
لهذا، من يذهب به تفكيره إلى أن مصادر هذه السلعة هي دين أو مناهج وكتب، أو أشخاص كمعلمين أو شيوخ وقساوسة وحاخامات، فقد جانب الصواب. هو كمن يطارد دخان المصنع ويترك المصنع وصاحبه.
وهنا يأتي دور المدرسة كخط دفاع أول.
مناهجنا وكتبنا قد تحمل قيم التسامح واحترام الاختلاف والتفكير الناقد والمواطنة المسؤولة بدرجة ما، لكن أثر هذه القيم يظل مرهونًا بكيفية تقديمها داخل الصف والموقف الصفي.
فالطالب لا يتعلم الحوار بمجرد أن يقرأ عنه، بل حين يُتاح له أن يمارسه. ولا يكتسب التفكير الناقد بحفظ تعريفه، بل حين يتعلم فحص الأفكار والأدلة، والتمييز بين الاختلاف المشروع وخطاب التحريض، وبين الانتماء الواعي والتعصب. القيم لا تُرسَّخ بالتلقين وحده، بل بالتجربة والممارسة والقدوة.
آن الأوان لكي يفهم المعنيون أن التعليم التلقيني يصنع متعلمين مطيعين تابعين، وهم أنفسهم زبائن جاهزون في بورصة تلك السلعة. أما التعليم القائم على التفكير فيصنع شخصيات قوية محصنة ضد الخطأ والمجاملة على حساب الوطن ومصالحه العليا.
وهذا هو جوهر ما قصدته في نظريتي: الاحترام الحقيقي لا يصنع تابعين مؤدبين، بل يصنع متمردين أسوياء يجرؤون على ركوب الواقع، وتحسين إدارته، وتقوية مهارات العاملين فيه والمتعلمين منه، ونيل تصفيق الجمهور الذي يتابع وينتظر النتائج.
وحقيقةً، نحن لا نواجه فكرًا، بل سوقًا. ولن نحصّن وطننا بتغيير الكتاب، بل بتغيير طريقة قراءته.