ما وراء ملامح الملك: أسئلة الدولة التي لا تحتمل التأجيل
د. حسين سالم السرحان
23-10-2026 10:31 PM
في ملامح جلالة الملك حفظه الله اليوم، تختلط مشاعر الحزن الساكن في القلب بالغضب المشتعل في الصدر، وتتزاحم أسئلة موجعة لا تكفي الكلمات لاحتوائها.
فالفاجعة التي طالت دار عبادة في وطننا ليست حدثًا عابرًا، بل جرس إنذار يستدعي مراجعة عميقة لكل السياسات والإجراءات والبرامج الحكومية في الشؤون الداخلية والأمنية، وكفاءة وقدرات القائمين عليها بلا استثناء، وعلى وجه الخصوص، وأن تتجاوز وصف الحادث إلى مساءلة الظروف التي سمحت بوقوعه.
وفي المؤتمر الصحفي لوزير الداخلية ومدير الأمن العام، كان المنتظر أن يسمع الأردنيون تحليلًا يجيب عن أسئلة: كيف، ولماذا، ومتى؟ وما الذي كشفته التحقيقات الأولية عن ملابسات الحادث، ونحن في زمن يعتمد سرعة الاستجابة والحصول على المعلومات، ولا يقبل فيه الأعذار؟ وأين تكمن كذلك مواطن الخلل في الإجراءات الأمنية، إن ثبت وجودها؟
أين كانت الإجراءات الاستباقية للأجهزة الأمنية المختصة بالعمل الوقائي والاستخباري والجنائي؟ وكيف تشكّلت هذه المجموعة، وما المؤشرات التي سبقت فعلتها؟
وأين تكمن الفجوات، إن وجدت، في جمع المعلومات عن البؤر الإرهابية والجرمية، وتحليلها واستشراف المخاطر، في وقت لا يحتمل فيه الأردن غفلة أو تراخيًا؟
إن محافظة تتميز بترابط نسيجها الاجتماعي وبساطة تركيبتها السكانية تطرح بدورها أسئلة عن البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها هذا الانحراف والشخصيات الإجرامية، وعن المؤشرات المتعلقة بها التي ربما ظهرت في المحيط الاجتماعي، ومدى قدرة المؤسسات على رصدها والتعامل معها مبكرًا.
وليس في ذلك اتهام للأسر أو الأقارب، ولا تحميل للمجتمع مسؤولية أفعال أفراد، بل بحث جاد في كيفية اكتشاف عوامل الخطر دون تعميم أو أحكام مسبقة.
وهنا لا بد من التمييز بين المسؤولية عن وقوع الحادث والمسؤولية عن منع تكراره؛ فالأولى تقتضي تحديد الوقائع، وكشف ملابساتها، وتعيين مواطن الإخفاق إن ثبتت، وفق تحقيق مهني عادل.
أما الثانية فتتطلب مراجعة إجراءات الوقاية، والتنسيق بين المؤسسات، وآليات رصد التطرف، والاستجابة للمؤشرات المبكرة، واستخلاص الدروس التي تحول دون تكرار المأساة.
إن المطلوب ليس وصف الفاجعة أو الاكتفاء بإحصاء ضحاياها، كما جاء على لسان وزير الداخلية ومدير الأمن العام، بل تفسيرها، ومحاسبة التقصير إن ثبت، وإصلاح الخلل حيثما وُجد.
فالثقة بالمؤسسات لا يحميها تجنب الأسئلة الصعبة، بل تصونها الشفافية والمساءلة والقدرة على تحويل الألم إلى مراجعة وطنية جادة.
كيف نقيس كفاءة الدولة في قدرتها على منع الفواجع والكوارث على نحو كهذا قبل وقوعها، لا في قدرتها على التعامل معها بعد وقوعها؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في ضمير الدولة والمجتمع؛ فالأردن أغلى من أن تبقى أسئلته بلا إجابات، وأبناؤه يستحقون منظومة وقاية فاعلة وكفؤة، تتعلم من الفواجع، وتستبق المخاطر، وتحمي الإنسان ودور العبادة وكل فضاء آمن يجمع الأردنيين.
نسأل الله الرحمة للشهداء، والشفاء العاجل للجرحى والمصابين، ولذويهم الأقربين الصبر والسلوان.
حمى الله أردننا الحبيب.