القصر الملكي في حمود .. إدارة النار قبل أن تصبح حريقاً
د. حمزة العكاليك
01-11-2026 12:00 PM
*أرادوها فتنة فكانت لحمة وطنية
لم تكن الأرقام التي أعقبت الهجوم على الكنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك مجرد انعكاس لصدمة الأردنيين؛ فقد كشفت أيضاً عن الدور الذي أدّته القيادة في المشهد الرقمي وعن قدرة خطاب الوحدة الوطنية على منافسة الروايات التي حاولت توظيف الجريمة خارج سياقها الأردني.
ففي رصد محلي للتفاعل الرقمي كانت المنشورات الخمسة الأعلى مشاهدة مرتبطة بالملك أربعة منها تناولت زيارته للمصابين فيما تجاوزت مشاهدات أحدها المتعلق بوصوله إلى مستشفى الكرك الحكومي 11.7 مليون مشاهدة. وهذه أرقام من عينة رصد محددة لكنها تقدم مؤشراً لافتاً إلى حجم الاهتمام الذي حظي به الحضور الملكي في لحظة وطنية شديدة الحساسية .لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجم المشاهدات وحدها بل في بأهمية السؤال الذي تطرحه: لماذا اتجه جانب كبير من التفاعل إلى صور المواساة والزيارة والوقوف إلى جانب المصابين بدلاً من أن يبقى أسير مشاهد العنف والصدمة؟
تكمن الإجابة الى انه في الأزمات لا تُقاس القيادة بما تقوله فقط بل أيضاً بسرعة حضورها وقربها من المتضررين والرسالة التي تبعث بها إلى المجتمع. وقد حملت زيارة الملك للمصابين إلى جانب مواقفه وتصريحاته دلالة تتجاوز البروتوكول؛ إذ نقلت الاهتمام والتركيز الى إدانة الجريمة إلى مواساة المصابين والتأكيد أن الاعتداء لن ينجح في شق الصف الأردني.
وتزداد أهمية هذا المعنى حين نقرأه في سياق التفاعل الرقمي. فالصور التي يتداولها الناس ليست مجرد توثيق للأحداث؛ إنها تسهم في تحديد ما يستحق الانتباه وكيف يُفهم الحدث وما الرسالة التي تبقى في الذاكرة العامة. فعندما تتصدره مشاهد المواساة والاهتمام بالمصابين؛ فإنها تتيح إطاراً إنسانياً ووطنياً لمواجهة محاولات اختزال الجريمة في هوية دينية أو تحويلها إلى مواجهة بين مكونات المجتمع.
وبالتحليل قدمت بيانات مرصد نحن ننهض صورة أكثر تفصيلاً عن طبيعة التفاعل. فمن بين 11,655 تعليقاً خضعت للتحليل عبّر 59.1% عن التضامن ورفض الاعتداء.
هذه النتائج مهمة لا لأنها تعني غياب الخطاب المتطرف بل لأنها تضعه في حجمه داخل العينة المرصودة وتظهر في الوقت نفسه أن التضامن ورفض الاعتداء كانا الاتجاه الأبرز بين التعليقات التي جرى تحليلها.
وفي قلب هذا المشهد برزت الرسائل التي رفضت تحميل دين كامل مسؤولية جريمة ارتكبها أفراد وأكدت أن الأردنيين شركاء في الوطن والمصير. وتكتسب هذه الرسائل أهميتها لأنها لا تكتفي بإدانة الجريمة بل ترفض أيضاً الهدف الأخطر الذي قد تسعى إليه أعمال العنف: تحويل الخوف إلى خصومة بين أبناء المجتمع الواحد.
ولم تبقَ الحادثة داخل حدودها المحلية فقد أظهر تقرير لمعهد السياسة والمجتمع أن التفاعل الرقمي تجاوز 10.6 ملايين تفاعل خلال الفترة من 23 إلى 26 تشرين الأول وامتد إلى أكثر من عشر لغات. كما بيّن أن ذروة التداول وقعت في الساعات الأولى حين انتشرت المعلومات قبل اكتمال الصورة الرسمية وأن نحو ثلث التفاعل الكلي تركز خلال الساعات العشر الأولى.
وتكشف هذه السرعة عن تحدٍّ يتجاوز إدارة الأزمة الأمنية إلى إدارة المعلومات أيضاً. ففي الساعات الأولى تنتشر الروايات غير المؤكدة بسرعة وقد تُستخدم الحادثة لتغذية خطاب ديني إقصائي أو لإقحامها في صراعات سياسية لا تنتمي إليها. وهنا تظهر أهمية التواصل الرسمي المبكر والواضح والمتسق إلى جانب دور الإعلام المهني والمواطنين في التحقق قبل النشر. فالمعلومة المتأخرة قد تصحح واقعة لكنها لا تضمن وحدها تصحيح الانطباع الذي ترسخ قبلها.
وتمنحنا تجربة حمود درساً يتجاوز لحظة الحزن: فالوحدة الوطنية لا تُحمى بالشعارات وحدها بل بمؤسسات موثوقة ومعلومات دقيقة وخطاب مسؤول ومجتمع يرفض أن تتحول الجريمة إلى ذريعة للتمييز أو الانتقام.
وقد أظهرت الأرقام أن الحضور الملكي احتل موقعاً بارزاً في التفاعل وأن التضامن ورفض الاعتداء تصدّرا التعليقات. لكنها تذكّرنا أيضاً بأن مساحة خطاب الكراهية وإن كانت أقلية في العينة تستحق المواجهة وأن الفضاء الرقمي يحتاج إلى مسؤولية لا تقل عن المسؤولية في الحياة العامة.
في النهاية لم تكن حمود مجرد خبر انتشر عبر الشاشات؛ كانت اختباراً لكيفية استجابة مجتمع لجريمة تمسّ أمنه وضميره معاً. والرسالة الأهم التي يمكن البناء عليها هي أن قوة الأردن لا تكمن في غياب الاختلاف بين أبنائه بل في رفض تحويل هذا الاختلاف إلى انقسام وفي التمسك بمواطنة تحمي الجميع وبقانون يحاسب الجناة من دون أن يحمّل جماعة دينية أو اجتماعية وزر جريمتهم.
ففي زمن تستطيع فيه الشائعة أن تعبر الحدود خلال دقائق يصبح الحفاظ على الحقيقة والوحدة الوطنية عملاً يومياً لا موقفاً عابراً في لحظة الأزمة.