"الأردنية للعلوم والثقافة" تنظم ندوة حول مخاطر التشدد الديني على المجتمع
01-11-2026 12:55 PM
عمون - نظمت الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة، أمس السبت، ندوة حوارية موسعة بعنوان "مخاطر التشدد الديني على السلم المجتمعي"، استضافت فيها كل من من المستشار في المعهد الملكي للدراسات الدينية الدكتور عامر الحافي، ورئيس مركز السلم المجتمعي في مديرية الأمن العام الدكتور أحمد أبو الفول، وبمشاركة الشيخ الدكتور حمدي مراد، ورئيس الجمعية المهندس سمير حباشنة.
وأدار اللقاء عضو الجمعية المهندس سليمان عبيدات، بحضور جمع من المختصين والمهتمين.
واستهل رئيس مركز السلم المجتمعي في مديرية الأمن العام الدكتور أحمد أبو الفول الحديث باستعراض نشأة المركز عام 2015 استجابة للرؤى الملكية السامية بضرورة وجود مركز متخصص لمكافحة الفكر المتطرف.
وأوضح أبو الفول، أن المركز يعمل عبر ثلاثة محاور رئيسية: التوعية، التثقيف، والتجسير. واستعرض رسالة المركز المعنية بإنشاء مجتمع أكثر سلامة للأجيال القادمة من خلال تعزيز ثقافة الحوار، وأسس العيش المشترك، ومواجهة الفكر المتطرف عمليا وفكريا وتوعية كافة شرائح المجتمع.
وأشار أبو الفول في حديثه إلى اتساع نطاق عمل المركز منذ عام 2015 ليشمل المدارس، الجامعات، المجالس المحلية، ومخيمات اللاجئين السوريين، وصولا لخدمة ما يقارب مليون مستفيد بشكل مباشر.
وأضاف أن المركز شارك في تدريس مادة العلوم العسكرية بالجامعات لتعزيز المواطنة الصالحة ومناقشة الظواهر السلبية كالتعصب الرياضي.
ولفت أبو الفول إلى تنفيذ برنامج "خطاب الكراهية" كدورة نوعية لمرتبات الأمن العام والشركاء، وإبرام أكثر من 30 مذكرة تفاهم مع مختلف المؤسسات المعنية.
وشدد أبو الفول في كلمته على خطورة الشق الرقمي الحديث في استهداف الطلبة؛ موضحا الانتقال من وسائل التواصل التقليدية إلى غرف الدردشة المغلقة داخل الألعاب الإلكترونية الرقمية عبر الهواتف والكمبيوتر لاستدراج الشباب بأعمار (14-16 سنة) وبث الأفكار المتطرفة لديهم.
وبيّن أن المركز يتجه حاليا نحو أساليب مبتكرة كالمسرح والتمثيل وقصص واقعية، مما أثمر عن حصور المركز على جوائز عربية منها جائزة مجلس وزراء الداخلية العرب وجائزة الحسن للتميز العلمي عام 2022.
وحذر أبو الفول من اتساع تحدي وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار الشائعات وخطابات الكراهية وغياب "الوعي الإلكتروني" لدى بعض الأسر في متابعة عزلة أبنائهم، مؤكدا أن جهود الأمن العام تتركز على الوقاية والحماية والتوعية لضمان سلامة المجتمع الأردني العصي على الاستقطاب والتطرف.
ومن جانبه، ركّز الشيخ الدكتور حمدي مراد في كلمته على الجانب الشرعي والأخلاقي، مستهلا بالدعوة للسلام والمحبة ومثنيا على جهود الأجهزة الأمنية والقيادة الأردنية في تحقيق الأمن والسكينة.
وأكد مراد أن الاجتهاد الفقهي قائم إلى قيام الساعة وقابل للغربلة والتمحيص والتدقيق ومراعاة ظروف العصر.
وأوضح مراد أن الإسلام أرسى قواعد واضحة ونصوصا محكمة تنفي الإكراه في الدين، كقوله تعالى: "لا إكراه في الدين"، مؤكدا أن الحوار الإيجابي القائم على (الحكمة، الموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن) هو الأسلوب والدعامة الأساسية التي قررها الإسلام ومنهج الأنبياء والعلماء.
واستذكر مراد وثيقة المدينة المنورة التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم كأول اتفاقية مواطنة كاملة تكفل الحقوق والواجبات والأمن والحرية لجميع أطياف المجتمع وسكان المدينة. وحذر من الجهل بالتراث وتشويهه أو إساءة استخدام النص الديني خارج مقاصده الأخلاقية والتربوية.
وأكد مراد أن المفهوم الصحيح للأمة ولـ "أهل الحل والعقد" يتجسد في العلماء والخبراء وأهل الاختصاص في شتى المجالات (الدين، الاقتصاد، السياسة، الصحة، والعسكرية) الذين يعملون تحت توجيه وإشراف ولي الأمر للمحافظة على مصلحة الوطن والأمة.
واختتم مراد حديثة بالتأكيد على تماسك أضلع المثلث الوطني الأردني: القيادة الحكيمة، الجيش والأمن الساهر، والجبهة الداخلية الواعية والمتماسكة.
بدوره، تناول المستشار في المعهد الملكي للدراسات الدينية الدكتور عامر الحافي القضية من منظور الأديان المقارنة والدراسات البينية.
وأشار الحافي إلى أن بحثه العلمي منذ عام 1996 حول الحركات الدينية اليهودية المعاصرة وتنبؤه المتطابق مع الواقع الحاضر يُثبت أن "التطرف" ظاهرة تاريخية واجتماعية تستغل النص الديني في مختلف الأديان وليست حكراً على بيئة أو دين معين.
وطرح الحافي أمثلة من تاريخ الأديان، مشيراً إلى أن البوذية رغم أنها تعتبر في أصولها من أكثر الأديان تدعيماً لـ "اللا عنف"، إلا أن بعض أتباعها مارست تطرفا واضطهادا سياسيا واجتماعياً في ميانمار وسريلانكا.
كما تطرق إلى تاريخ أوروبا وحرب الثلاثين عاماً والتطرف الأصولي الإنجيلي المعاصر لدعم الحروب، والتصفيات القبلية في رواندا بين مسيحيين، ليوضح أن المشكلة تكمن في "الفهم الجاهل والسطحي للمتدين" وليس في أصل الدين ذاته.
ودعا الحافي إلى التحلي بالشجاعة العلمية لتفكيك الأدبيات الفكرية الهدامة والتأويلات المتطرفة التي تحاول تنمية العداء واستغلال الأزمات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية لاستدراج الشباب.
واستعرض الخطورة الفكرية لمفاهيم مقتطعة أو مفسرة بشكل مشبوه مثل مفهوم الكفر، الولاء والبراء، التكفير، وأحكام الذمة والجزية، مستذكرا مواقف تاريخية كإسقاط عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجزية المسحييين لمشاركتهم في الدفاع والواجبات.
وأكد الحافي على أهمية الدراسات النفسية والاجتماعية في فهم ظاهرة استقطاب الفئات المهمشة أو الشباب، مشددا على ضرورة التفريق بين مواجهة التطرف وبين محاربة الدين نفسه، والعمل الجاد على نشر الفهم المقاصدي النافع والوعي الفكري لتفويت الفرصة على المخططات المشبوهة.
وفي المداخلات، قدم رئيس الجمعية الوزير الأسبق المهندس سمير حباشنة كلمة أكد فيها أن ما شهدته البلاد في أحداث الكرك يمثل "صدمة وطنية" تتطلب مراجعة عملية وميدانية شاملة وليست مجرد إدانات فكرية شفوية.
وأشار إلى أهمية الوقوف على أسباب التسلل الفكري المباشر وتتبع مكامن الخلل في المؤسسات التعليمية والدينية والتربوية والجامعات والدروس التي تُقدَّم للشباب والناشئة.
ودعا حباشنة إلى تفعيل القوانين بحزم ضد كل من يسعى لإثارة الخطابات الطائفية أو الإقليمية، أو بث خطاب الكراهية والفتن.
وشدد على ترسيخ قيم المواطنة الكاملة والتعايش التاريخي وتماسُك الجبهة الداخلية كشعب واحد ونسيج وطني متكامل لمواجهة كافة التحديات الأردنية والإقليمية.
وشهد اللقاء حوارا واسعا وإجابات مفصلة من المحاضرين ركزت في مجملها على بناء أجيال واعية ومحصنة فكريا لحماية أمن واستقرار الوطن.
يذكر أن الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة تواصل عقد ندواتها الحوارية المنتظمة لمناقشة أبرز القضايا الوطنية، والسياسية، والفكرية، والمجتمعية كل يوم سبت في مقر الجمعية في عمان.