facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




منعة الداخل وما هو دور المجتمع: قراءة في خطاب العرش السامي


أروى الظاهر
02-11-2026 09:51 PM

ليست كل خطابات العرش متشابهة في لحظتها، وإن تشابهت في مكانها ومناسبتها الدستورية. بعضها يأتي ليرسم أولويات مرحلة، وبعضها يأتي ليعيد ضبط البوصلة حين تصبح الطرق أكثر التباسًا. وخطاب العرش الذي افتتح به جلالة الملك عبدالله الثاني الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين ينتمي، في تقديري، إلى النوع الثاني. فالخطاب، وإن وُجّه دستوريًا إلى الأعيان والنواب، كان في عمقه خطابًا إلى المجتمع. لم يقدم للأردنيين قائمة بما ستفعله الدولة لهم فحسب، بل وضع أمامهم سؤالًا أكثر جرأة: ماذا سيفعلون هم من أجل دولتهم، في إقليم لا يكفّ عن الاشتعال؟

ولعل مفتاح الخطاب كله يكمن في عبارة واحدة: «ولا يزال رهاني على الأردني». والرهان هنا لم يكن عامًّا ولا عاطفيًا، بل جاء محددًا بثلاثة امتحانات: وعي الأردني حين تلتبس الطرق، وحكمته حين تعلو الانفعالات، وإخلاصه ووفاؤه حين تشتد المحن. وهي في الحقيقة ثلاثة اختبارات يعيشها المجتمع الأردني يوميًا. الالتباس هو زمن الإشاعة والمعلومة المضللة التي تسبق الحقيقة. والانفعال هو زمن المنصات التي تصنع موقفًا عامًا في دقائق وتهدمه في ساعات. والمحنة هي زمن الضيق الاقتصادي والضغط الإقليمي الذي يختبر الصبر والانتماء معًا. وكأن الملك يقول إن خط الدفاع الأول عن الأردن اليوم ليس على الحدود فقط، بل في عقل المواطن قبل أن يصدّق، وقبل أن ينفعل، وقبل أن ييأس.

من هنا يكتسب افتتاح الخطاب بشهداء الكرك معناه الكامل. فحين يقول الملك عن الإرهابيين «هؤلاء ليسوا منا»، ويصفهم بأنهم خرجوا عن العائلة الأردنية وخانوا هذه الأسرة، فإنه لا يصدر حكمًا أمنيًا فحسب، بل يعيد تعريف الانتماء نفسه. فالأردنية، في هذا الخطاب، ليست وثيقة أو قيدًا مدنيًا، بل عهد أخلاقي؛ من نقضه خرج من الأسرة. وهذا التعريف يحمّل المجتمع مسؤولية مباشرة: أن مواجهة التطرف لا تبدأ عند وقوع الجريمة، بل قبلها بسنوات، في البيت الذي يلاحظ، والمدرسة التي تحاور، والجامعة التي تفتح العقل، والمنبر الذي يحصّن، والإعلام الذي لا يمنح الفكر المتطرف مساحة مجانية. فالأجهزة الأمنية التي وصفها الملك بأن أعين رجالها لا تغفل لينام أهلهم مطمئنين، تحمي الأرض، لكن المجتمع وحده يستطيع أن يحمي الوعي.

ثم ينتقل الخطاب إلى ما يمكن اعتباره قلبه السياسي: «الأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها، وبالتمسك بهذا المبدأ تكون جبهتنا الداخلية منيعة ومصانة». وهذه عبارة تستحق التأمل؛ لأنها تقلب معادلة شائعة. فالمنعة، وفق الخطاب، لا تتحقق بإغلاق المجال العام أو بتوحيد الأصوات، بل بتفعيل المبدأ الدستوري الذي يجعل الأمة مصدر السلطة. وإذا كانت الأمة مصدر السلطات، فإن المواطن ليس متلقيًا لأداء البرلمان، بل شريك في صناعته؛ بصوته حين ينتخب، وبمتابعته حين يحاسب، وبرفضه أن يكون صوته سلعة في سوق المصالح الضيقة.

وفي هذا السياق جاءت واحدة من أذكى إشارات الخطاب، حين نبّه النواب إلى أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن القبة من قوانين فقط، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب. أي أن الثقة السياسية تُبنى بالقدوة بقدر ما تُبنى بالتشريع. وهي رسالة ذات حدين: للنائب بأن يرتقي إلى مستوى التمثيل، وللناخب بأن يكون معياره في الاختيار والمحاسبة هو الأداء والسلوك، لا القرابة ولا الخدمة الفردية. ولم يقل الملك إن الاختلاف مشكلة، بل قال: «إن اختلافكم في الرأي قوة، طالما كانت مصلحة الأردن هي الغاية». ثم وسّع هذا المبدأ ليشمل المجتمع كله، مؤكدًا أن التداول في الشأن العام حق مشروع يصونه الدستور، وأن صدر الوطن رحب بكل رأي «مخلص ومسؤول». غير أن أعمق ما في هذا المحور هو ما يمكن تسميته ميثاقًا أخلاقيًا للمجال العام، صاغه الملك في ثلاث قيم: من أحب الأردن حفظ له جميل العطاء، وكرامة الكلمة، وأدب الاختلاف. جميل العطاء يعني ألا يُختزل الوطن في لحظة غضب، وألا يُنسى ما قدّمه في سنوات الشدة. وكرامة الكلمة تعني أن يكون النقد صادقًا لا مسيئًا، ومبنيًا على معلومة لا على إشاعة. وأدب الاختلاف يعني أن نختلف على الحكومة والسياسات والاقتصاد دون أن نحوّل المختلف معنا إلى خصم للوطن. وهذه القيم الثلاث، لو تحولت إلى ثقافة عامة، لكانت أقوى من أي قانون في حماية النقاش العام من الانزلاق إلى الفوضى.

لكن الخطاب لم يضع المسؤولية على كتف المواطن وحده. فقد خصّ المسؤول العام برسالة هي الأشد وضوحًا: لا مكان لمن يظن الوظيفة العامة تشريفًا يرفعه عن خدمة الناس، ولا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيًّا كان، و«القانون لا يعرف اسمًا، ولا منصبًا، ولا نفوذًا». وهنا ينتقل الخطاب من مطالبة المواطن بالثقة إلى مطالبة المؤسسة بأن تستحقها. غير أن لهذه الرسالة وجهًا مجتمعيًا لا يقل أهمية؛ فالمحسوبية والواسطة لا تعيش في المؤسسات وحدها، بل في ثقافة تتسامح معها وتطلبها وتحتفي أحيانًا بمن يملكها. وإذا كانت هيبة الدولة وسيادة القانون، كما قال الملك، تتقدمان على كل شيء، فإن المجتمع مطالب بأن يكفّ عن اعتبار تجاوز القانون شطارة، وأن يرى في العدالة المتساوية مصلحة له قبل أن تكون واجبًا على الدولة.

وفي الاقتصاد، وضع الخطاب معيارًا اجتماعيًا صارمًا: مصلحة الأردني في صلب كل قرار لا على هامشه، والتنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه. وهذا المعيار يمنح المجتمع دورًا جديدًا: أن يصبح هو الحَكَم على نجاح السياسات العامة. فالسؤال لم يعد كم خطة أُطلقت وكم مشروعًا أُعلن، بل ماذا تغيّر في حياة الناس. ومجتمع يطرح هذا السؤال بوعي وانتظام، بعيدًا عن التهويل والتشكيك المجاني، هو مجتمع يدفع الحكومة إلى الإنجاز بدل الإعلان.

ثم جاءت العبارة الأكثر إلحاحًا في الخطاب: «المياه، المياه، المياه!». تكرار بهذه الحدة، تحت قبة البرلمان، ليس أسلوبًا خطابيًا بل جرس إنذار. وحين يقول الملك إن ظمأ الأردنيين لن يكون رهينة لأي ظرف، ويطالب بخطط استباقية تحمي حقوق الأجيال القادمة، فإنه يحوّل الماء من ملف حكومي إلى قضية سيادية جامعة. والمجتمع هنا ليس متفرجًا؛ فثقافة الاستهلاك، والاعتداء على المصادر، والهدر اليومي، كلها جبهات لا تستطيع أي حكومة أن تكسبها وحدها. الأمن المائي يبدأ من قرار وطني، لكنه يكتمل في سلوك كل بيت.

وفي الملف الفلسطيني، أعاد الملك تثبيت المعادلة الأردنية: لا أمن ولا استقرار في المنطقة دون حق الشعب الفلسطيني في أرضه، والأطماع التوسعية الإسرائيلية أكبر تهديد لمستقبل المنطقة. ثم ختم هذا المحور بثلاثية لافتة: واهم من ظن أن الطغيان يمنح الشرعية، وواهم من ظن أن الزمن يمحو الحقيقة، وواهم من ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه. والرسالة الأعمق هنا أن الذاكرة نفسها شكل من أشكال المقاومة، وأن حماية الرواية والحقيقة مسؤولية مجتمع لا مسؤولية دولة فقط. لكن الخطاب ربط ذلك كله بشرط واضح: الأردن القوي هو الأقدر على الدفاع عن قضايا أمته. أي أن نصرة فلسطين لا تمر عبر إضعاف الداخل أو المزايدة عليه، بل عبر أردن متماسك وقادر.

وحين نجمع هذه الرسائل، يتضح أن خطاب العرش لم يطلب من الأردني أن يقف متفرجًا خلف دولته. طلب منه أن يكون واعيًا أمام التضليل، حكيمًا أمام الانفعال، صلبًا أمام التطرف، شريكًا في الشأن العام، مسؤولًا في اختلافه، رافضًا للمحسوبية، رقيبًا على أثر التنمية، حارسًا لموارد وطنه، وأمينًا على ذاكرة أمته. وفي المقابل، ألزم المؤسسة بواجب موازٍ: عدالة القانون، ونزاهة الوظيفة العامة، وكفاءة الإنجاز، وصون حق المواطن في الرأي والمشاركة.

وهنا تكمن الفلسفة الأعمق للخطاب: منعة الأردن ليست مهمة الدولة وحدها، بل عقد مسؤولية متبادلة. وقد اختار الملك أن يختم هذا العقد بلغة لا تُستعمل عادة في الخطاب السياسي. فقد خاطب الأردنيين بقوله «شعبي وسندي»، ووصفهم بأنهم أهله وعشيرته، أمانة في عنقه، ثم قال إنه يعتمد، بعد الله، على برّهم بهذه الأرض. والبرّ مفهوم لا يعرفه القاموس السياسي بقدر ما تعرفه الأسرة؛ إنه الوفاء الذي يقدَّم بلا مقابل، كما يبرّ الابن والديه. وحين يجعل الملك برّ الأردنيين بأرضهم رهانه الأخير، فإنه يضع منعة الدولة في المكان الذي لا تصل إليه أي قوة خارجية: في ضمير المواطن.

ففي زمن تتكاثر فيه المخاطر من حول الأردن، لم يكن رهان الملك على مورد أو تحالف أو ظرف سياسي. كان الرهان على الأردني نفسه. وتلك هي الرسالة التي لا ينبغي أن تمر مرور العبارات: منعة الأردن القادمة لن تُبنى فقط بما تفعله الدولة للأردنيين، بل بما يقرر الأردنيون أن يفعلوه من أجل دولتهم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :