وقفة تأمل مع خطاب العرش السامي في افتتاح مجلس الأمة
السفير د. موفق العجلوني
02-11-2026 09:53 PM
قراءة في الرسائل الوطنية والدلالات السياسية واستحقاقات المرحلة
ليس خطاب العرش السامي، في تقاليد الدولة الأردنية، مجرد مناسبة دستورية تتجدد مع افتتاح دورة جديدة لمجلس الأمة، بل هو محطة وطنية تتجاوز حدود المراسم والبروتوكول، لتشكل لحظة تأمل في مسيرة الدولة، وقراءة في أولوياتها، واستشرافاً لما ينتظر الوطن من مسؤوليات واستحقاقات.
وفي افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، اليوم الاثنين، 2 تشرين الثاني 2026، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله في ظرف وطني وإقليمي دقيق، حاملاً رسائل واضحة تتصل بأمن الأردن واستقراره، ووحدته الوطنية، ومسؤولية مؤسساته الدستورية، وضرورة حماية مصالح المواطنين وصون مستقبل الأجيال القادمة.
استهل جلالة الملك خطابه السامي بالإشارة إلى الاعتداء الإرهابي الذي شهدته محافظة الكرك، مستحضراً دماء الشهداء، وداعياً إلى الوقوف دقيقة صمت على أرواحهم.
وكان لهذا الاستهلال دلالته العميقة؛ فالأردن، عبر تاريخه، لم يبنِ مناعته على قوة مؤسساته الأمنية والعسكرية وحدها، على أهميتها، وإنما أيضاً على تماسك نسيجه الاجتماعي، ووحدة أبنائه، وإيمانهم بأن الوطن أكبر من كل خلاف، وأن أمنه واستقراره مسؤولية مشتركة لا تقبل التجزئة.
إن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على التصدي الأمني، بل تتطلب كذلك حماية الوعي المجتمعي، وترسيخ ثقافة الاعتدال، وتجفيف منابع التطرف، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته .
و من أبرز الرسائل التي حملها خطاب العرش ، تأكيد مكانة مجلس الأمة باعتباره ركناً أساسياً في الحياة السياسية، وتأكيد أن الأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها.
وهنا تبرز مسؤولية مجلسي الأعيان والنواب في ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسة دستورية فاعلة، تجعل من العمل البرلماني مساحة للحوار المسؤول، والرقابة الجادة، والتشريع الذي يستجيب لاحتياجات المجتمع.
ولعل العبارة الملكية التي تؤكد أن اختلاف الرأي قوة، ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية، تستحق أن تكون عنواناً للعمل البرلماني خلال هذه الدورة.
فالاختلاف في الرأي ليس مدعاة للخصومة، والتعددية ليست ضعفاً، بل إنهما من ركائز الحياة الديمقراطية السليمة، شريطة أن يبقيا في إطار احترام الدستور والمصلحة العامةً .
جاء تأكيد جلالة الملك أن الوظيفة العامة خدمة للناس وليست امتيازاً شخصياً، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، ليضع المسؤولية العامة أمام معيار واضح لا يحتمل التأويل.
إن هيبة الدولة لا تتحقق بمجرد وجود القوانين والأنظمة، وإنما بإنفاذها على الجميع دون تمييز، وبترسيخ مبدأ المساءلة، وصون المال العام، ومكافحة الفساد، وإعلاء قيمة النزاهة في الإدارة العامة.
فالمواطن لا يقيس قوة مؤسسات الدولة بما تقوله عن نفسها، بل بما يلمسه من عدالة في التعامل، وسرعة في إنجاز معاملاته، وتكافؤ في الفرص، واحترام لحقوقه وكرامته.
ولم يكن التشديد الملكي على الأمن المائي أمراً عابراً في سياق الخطاب، بل جاء تعبيراً عن إدراك عميق لحجم التحدي الذي يواجه الأردن، باعتباره من البلدان التي تعاني شح الموارد المائية.
إن توجيه الحكومة إلى مواصلة مشاريع الأمن المائي ووضع الخطط الاستباقية لحماية الموارد واستدامتها، يضع هذا الملف في صدارة الأولويات الوطنية والاستراتيجية.
فالمياه ليست مجرد خدمة أساسية، بل هي عنصر من عناصر الأمن الوطني، وشرط من شروط التنمية والاستقرار، وحق للأجيال القادمة ينبغي ألا يكون رهينة للظروف أو التقلبات.
و لعل الرسالة الأوسع في خطاب جلالةً الملك ، هي أن الدولة، بمؤسساتها وسلطاتها، وجدت لخدمة المواطن وحماية مصالحه.
ومن هنا، فإن المطلوب من الحكومة ومجلس الأمة أن تتحول الأولويات المعلنة إلى برامج قابلة للقياس، وأن تنعكس السياسات العامة على حياة الناس، من خلال تحسين الخدمات، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز الاستثمار، وتطوير التعليم، وتحقيق العدالة في توزيع مكتسبات التنمية.
كما أن تأكيد جلالة الملك أن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول يحمل دعوة واضحة إلى احترام الكلمة، وتوسيع مساحات الحوار الوطني، وترسيخ أدب الاختلاف، باعتبار ذلك من مقومات الدولة الواثقة بمؤسساتها وشعبها.
لا يمكن قراءة خطاب العرش بمعزل عن الموقع الجغرافي والسياسي للأردن، وما يحيط به من تحديات إقليمية ودولية متسارعة.
فالأردن، بحكم تاريخه ومواقفه وثوابته، يتحمل مسؤولية وطنية وقومية وإنسانية، ويحرص على حماية مصالحه، والوقوف إلى جانب قضايا أمته، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، في إطار الوصاية الهاشمية التاريخية.
وتبقى قوة الموقف الأردني مرتبطة بصلابة الجبهة الداخلية، وتماسك المؤسسات، ووضوح الرؤية الوطنية، والقدرة على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية بحكمة واتزان.
إن الوقفة المتأنية أمام خطاب العرش السامي تكشف أننا أمام مجموعة من الرسائل المترابطة: أمن لا يقبل المساومة، ووحدة وطنية لا يجوز المساس بها، ومؤسسات دستورية تتحمل مسؤولياتها، وقانون يعلو على الجميع، وموارد وطنية يجب صونها، ومواطن ينبغي أن يبقى في قلب الاهتمام الوطني.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام مجلس الأمة والحكومة معاً هو الانتقال من مرحلة الإصغاء إلى مرحلة الإنجاز، ومن إعلان الأولويات إلى تنفيذها، ومن تشخيص التحديات إلى وضع الحلول العملية لها.
لقد أكد جلالة الملك حفظه الله ثقته بالأردنيين، ووضع أمام مؤسسات الدولة مسؤولياتها، وهي رسالة تستحق أن تُقرأ بعناية، وأن تُترجم إلى عمل مؤسسي جاد.
فالأردن الذي واجه التحديات عبر تاريخه مستنداً إلى وحدة شعبه وصلابة مؤسساته، يظل قادراً على مواصلة مسيرته بثقة، ما دام الجميع يدرك أن الوطن أمانة، وأن خدمته مسؤولية، وأن مصلحته العليا تعلو فوق كل اعتبار.
حفظ الله الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الله الثاني ابن الحسين وولي عهده الميمون سمو الامير الحسين حفظهم الله ، وأدام على الشعب الاردني نعمة الأمن والاستقرار، ووفّق الجميع لما فيه خير الوطن وكرامة المواطن .