كما هو من غير المستبعد أن تحدث انفراجة مفاجئة في ملف الصراع الأمريكي الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، ويجلس المتصارعين على طاولة المفاوضات لتحقيق شروط كل فريق ولو بالحد الأدنى والخروج باتفاق تاريخي، فأيضًا احتمالات اندلاع حرب جديدة بين هذه الأطراف كبيرة، والمنطقة تمر الآن في حالة مخاض صعب، فإما أن تكون النتيجة نزع فتيل الأزمة أو تفجرها تنتج عنه حرب تأتي كل على أشكال الاستقرار والأمن في هذه المنطقة، فالتصريحات الأمريكية المتضاربة والتصريحات الإيرانية المتشنجة تشير إلى أن البوصلة لا زالت غير مستقرة إلى أي اتجاه.
رسالة المرشد الإيراني الخامنئي الإبن قبل يومين تؤكد أن القيادة في طهران لا تفكر بتقديم أي تنازلات حسب تصريحاتها، بأي ملف من ملفات الصراع، وتشير تصريحات خامنئي بوضوح أنه إذا وقعت المعركة فلن يقف الرد الإيراني عند أي حدود جغرافية في المنطقة، وهذا معناه أن الإيرانيين ينوون حرق الجميع وربما هذا تعبير عن موقف يائس لكن الثمن سيكون باهظًا..
القيادة الإيرانية لا تعي خطورة الأمور وأنها تواجه تحديًا لا تقدر على التصدي له، أو أنها تعاند وتريد أن تُغرق الجميع قبل أن تَغرق، وعند النظر إلى تفاصيل الصراع من سطرها الأول فإن الحرب التي نتجت عنه لا يوجد لها سبب واحد حقيقي يبررها وأن أسبابها لا ترتقي إلى مستوى أن تشن حروب وتحتدم صراعات تربك الأمن والاستقرار ليس لدينا فقط، بل في العالم، وامتدت انعكاسات الحرب في جولتها الأولى إلى الإقتصاد العالمي حين ارتبكت سلاسل التوريد وخاصة النفط الذي أربك العالم ارتفاع أسعاره ونقصه، الحال الذي تأثرت به دول العالم بشكل مباشر وكبير.
كل ما يجري الآن في هذه المنطقة وراءه حقيقة واحدة، وهي أن نتنياهو سبب كل ما يجري وهو الذي أقنع الرئيس الأمريكي بشن حرب على إيران بحجة أن الأخيرة تهدد الأمن العالمي والأمن الإقليمي بما فيها الأمن الأمريكي والإسرائيلي بنية تقديم إنجاز للإسرائيلين ليبقوه في سدة الحكم ولكن هذا لم يحدث حسب نتائج الانتخابات الأخيرة وأصبح مستقبله السياسي والشخصي في خطر..
ترامب تورط في هذا الصراع حين اقتنع بحجج نتنياهو وتبريراته بأن الجولة الأولى ستكون كافية لإنهاء الملف الإيراني من خلال إسقاط النظام وضرب المنشآت النووية والبنية التحتية، وراهن الإثنان على تحرك الشعب في إيران ليكون هذا التحرك عاملًا قويًا وحاسمًا في معركة إسقاط النظام، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنهما، فقد استطاع النظام الإيراني الصمود رغم كل الخسائر التي لحقت وقتل معظم قيادات الصف الأول والثاني واستلام زمام الأمور من قبل شخصيات من الصفوف المتأخرة الأمر الذي مكن الحرس الثوري الفريق المتشدد من القيادة وسيطرته على مفاصل السياسة هناك..ورغم
أن بعض ما تبقى من الطبقة السياسية يميل بوضوح إلى تسوية مع الولايات المتحدة لإنقاذ البلد من حرب مدمرة على كل الأصعدة وسد الطرق أمام إسرائيل ومشروعها تجاه إيران
فإن سيطرة الأيديولوجية على تفكير القابضين على مفاصل القرار في طهران يجعل الطريق أمام هذه الميول مسدودًا، ويفتح الطريق أمام الفريق المقابل في واشنطن وتل أبيب معبدًا أمام أهدافهم التي في أحسن ظروفها ضرب إيران وتركها دولة فاشلة وممزقة هذا إذا لم تسقط الدولة بالكامل ويتكرر سيناريو أفغانستان وغيرها من الدول التي تحولت إلى مصدر للإرهاب والفوضى في كل الاتجاهات .
إذا اعتقدت القيادات في النظام الإيراني أن تحالفهم مع روسيا والصين من الممكن أن يحقق لهم ما يريدوه يكونون مخطئين لأنه في النهاية الدول تبحث عن مصالحها ولا تلقي بالا للتحالفات التي تضر بهذه المصالح خصوصا إذا قدمت واشنطن عروضا مغرية لموسكو وبكين..
الموقف الأمريكي حتى اللحظة يتقلب على مقترحات مختلفة من متساهلة إلى حد ما إلى متشددة كما حدث مع مذكرة الاتفاق الشهيرة التي انقلب عليها ترامب بعد مدة قصيرة من توقيعها، والأرجح أنه فعل ذلك نزولًا عند رغبة نتنياهو وضغطه وإيران تعجز حتى الآن أن تستغل لحظة تساهل يمر بها الموقف الأمريكي ولا تفسح المجال للرافضين للحرب في الإدارة الأمريكية أمثال فانس أن يتحركوا بمساحة مريحة يغلبوا رأيهم على الفريق الذي يسعى للحرب..
طهران لم يعد نفوذها في المنطقة كما كان، فأذرعتها تكسرت، ولا تستطيع المساومة والضغط من خلال وكلائها سواء في لبنان أو العراق والحرب مشتعلة ضد الحوثيين في اليمن،وحتى مضيق هرمز لن يبق لها سلطة عليه إذا اندلعت الحرب ومن غير المعقول والمبرر هذا العناد في البقاء بدائرة المكابرة، وتعريض الشعب الإيراني على مواجهة خاسرة، فالقوة التي يواجهها النظام الإيراني لا قدرة له عليها..
خطورة الحرس الثوري
و تفكيره على المحيط تأتي من ناحية أنه سيلجأ في حالة استئناف الحرب إلى ضرب الدول العربية كما فعل في الجولة السابقة، فهذه الورقة الوحيدة التي بقيت لديه، وإن فعل ذلك فأعتقد أن ردة الفعل المقابلة لن تكون كما سبق، وهذا سيهيئ لحرب إقليمية شاملة احتمال أن تتعدى حدود المنطقة...
لكن الأهم في كل التفاصيل أن العرب هل سيصمتون على اعتداءات إيران في هذه الجولة أم أنهم سيعلنون الحرب الدفاعية ضدها، هنا ستتغير كل المعادلة وستواجه إيران تعقيدات كبيرة لا تقوى عليها.. كذلك المنطقة!!!