بعد حمود حين يصبح الوعي الوطني خط الدفاع الأول عن الأردن
امل خضر
31-10-2026 11:13 PM
ليست قوة الدول في قدرتها على مواجهة الأزمات وحدها بل في قدرتها على استباق المخاطر، وتحويل لحظات القلق إلى وعي، والتحديات إلى فرص لتعزيز مناعة المجتمع وحماية مؤسسات الدولة. وفي منطقة تتسع فيها دوائر الاضطراب لم يعد الحفاظ على أمن الأردن مقتصراً على حماية حدوده، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بصون جبهته الداخلية واستقلال قراره الوطني.
لقد أعادت حادثة حمود في محافظة الكرك، وما رافقها من تداعيات أمنية التأكيد على أن التحديات التي تواجه الأردن تتطلب يقظة دائمة ووعياً مجتمعياً يتجاوز ردود الفعل الآنية. فالأحداث الأمنية لا تنتهي عند معالجة آثارها المباشرة، بل تفرض استخلاص الدروس، وتعزيز الاستعداد، وإدراك أهمية حماية المجتمع من محاولات الاستقطاب والتضليل.
إن الوعي الوطني اليوم لم يعد ترفاً فكرياً بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الوطني. فالمواطن الواعي هو القادر على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين المعلومة الموثوقة ومحاولات التضليل، وهو الذي يدرك أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام يمس وحدة المجتمع أو يضعف مؤسساته.
لقد أثبت الأردنيون في محطات عديدة، أن وحدتهم الوطنية رصيد حقيقي يظهر في أوقات الاختبار. فقوة الأردن لا تقوم على تطابق الآراء، بل على قدرة أبنائه على الاختلاف في إطار الانتماء والمسؤولية، والالتفاف حول دولتهم ومؤسساتهم ومصالحهم الوطنية.
وفي هذا السياق تبرز المكانة المحورية للمؤسسات الأمنية والاستخبارية، وفي مقدمتها دائرة المخابرات العامة، باعتبارها ركناً أساسياً في منظومة حماية الأمن الوطني. ففي عالم تتغير فيه طبيعة التهديدات وتتداخل فيه المخاطر الأمنية مع الاختراق والتضليل والجريمة المنظمة، تصبح المعلومة الدقيقة والقراءة الاستراتيجية والجاهزية المهنية عناصر حاسمة في حماية الدول واستقرارها.
إن ما تتطلبه المرحلة هو تقدير الدور الذي تضطلع به أجهزتنا الأمنية، وتعزيز الثقة بجهودها وإمكاناتها، إلى جانب أهمية التواصل المسؤول مع المجتمع ضمن مقتضيات الأمن الوطني والأطر القانونية. فحماية الوطن مسؤولية تتكامل فيها كفاءة المؤسسات مع وعي المواطنين والتزامهم بالمصلحة العليا.
وعلى الجبهة الشماليةتفرض التطورات في سوريا حسابات دقيقة على الأردن، بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة والتحديات الأمنية العابرة للحدود. فانتشار السلاح، ونشاط الجماعات المسلحة، وشبكات تهريب المخدرات والأسلحة، كلها تهديدات تستوجب اليقظة والحزم.
وقد جاء إعلان القوات المسلحة الأردنية تنفيذ عملية الردع الأردني – حمود في 26 تشرين الأول 2026، في سياق التعامل مع التهديدات المرتبطة بالاعتداء، ليؤكد أهمية حماية السيادة والمصالح الوطنية، والقدرة على اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة المخاطر.
لكن الحزم لا يعني الاندفاع، والقوة لا تعني الانجرار إلى مواجهات مفتوحة. فالأردن يحتاج إلى قرار سيادي مستقل، يوازن بين حماية أمنه وتجنب الاستنزاف، ويمنع تحويل حدوده إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فالمطلوب دولة قادرة على الردع، وحكيمة في إدارة الأزمات، لا تسمح للآخرين بتحديد أولوياتها أو المساس بمصالحها.
غير أن الأمن الوطني لا يكتمل بحماية الحدود وحدهافالبطالة والفقر وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع الفرص الاقتصادية تحديات تمس قدرة المجتمع على الصمود. والمواطن الذي يبحث عن فرصة عمل ويقلقه مستقبل أبنائه يريد أن يلمس أثر الاستقرار في حياته اليومية، وأن يرى التنمية والعدالة وتكافؤ الفرص واقعاً ملموساً.
ومن هنالا يمكن فصل الأمن الاقتصادي والاجتماعي عن الأمن الوطني. فالمجتمع الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات هو المجتمع الذي يمتلك أسباب الحياة الكريمة والأمل بالمستقبل، وتتكامل فيه جهود المؤسسات الأمنية والاقتصادية والتعليمية والخدمية لحماية الإنسان والوطن.
إن الأردن يحتاج اليوم إلى خطاب وطني مسؤول، لا يهوّن المخاطر ولا يضخمها، ولا يسمح للشائعات بأن تحل محل الحقائق، ولا يحوّل الاختلاف إلى خصومة. كما يحتاج إلى مواصلة تطوير مؤسساته وتعزيز كفاءتها، والاستثمار في قدرات المجتمع، بما يضمن مواجهة التحديات بثقة وتماسك.
فالأردن يمتلك رصيداً وطنياً ومؤسسياً وخبرة متراكمة في التعامل مع الأزمات، لكن الحفاظ على هذا الرصيد يتطلب رؤية تتجاوز إدارة المخاطر إلى استباقها، وتكامل الجهد الرسمي والمجتمعي في حماية المصالح العليا للمملكة.
إن خط الدفاع الأول عن الأردن ليس حدوداً محروسة فحسب، بل دولة تمتلك قرارها، ومؤسسات تحمي سيادتها، ومجتمع يدرك حجم المسؤولية، ومواطن يشعر بأن كرامته ومستقبله جزء من أولويات وطنه.
وبعد حمود، يبقى السؤال كيف نحول دروس الأحداث إلى وعي يحصّن المجتمع، ويعزز منعة الدولة، ويحمي الأردن من مخاطر الانقسام والتضليل؟
فالأوطان لا تُحمى بالقوة وحدها، بل بحكمة القرارودقة المعلومة، ووعي المواطن وعدالة الدولة، ووحدة الموقف الوطني. وحين تجتمع هذه العناصر، يصبح الوعي الوطني بالفعل خط الدفاع الأول عن الأردن.