الجنوب السوري .. فرصة دمشق واختبار الأمن الأردني
منيزل النعيمي
31-10-2026 11:36 PM
لم تعد الجغرافيا السياسية للجنوب السوري مجرد امتداد جغرافي لسوريا، بل أصبحت واحدة من أكثر المساحات حساسية في معادلات الأمن الإقليمي، وتحديداً بالنسبة للأردن الذي يتعامل مع هذه المنطقة باعتبارها عمقاً أمنياً مباشراً لأمنه الوطني واستقراره الداخلي.
لقد أعادت عملية "الردع الأردني – حمود" تسليط الضوء إقليمياً ودولياً على الجنوب السوري، ووضعت هذه المنطقة في صدارة الاهتمام الإعلامي والسياسي، ليس فقط بسبب طبيعة العملية وأهدافها، وإنما بسبب ما كشفته من أهمية وجود بيئة أمنية مستقرة، قادرة على منع التنظيمات الإرهابية والشبكات المسلحة من استغلال الفراغات الأمنية وتحويل الأراضي السورية إلى منصات تهديد لدول الجوار.
وهنا تحديداً، تبرز أمام دمشق فرصة سياسية واستراتيجية ينبغي عدم إهدارها، فالزخم الإعلامي الذي رافق العملية وما أثارته من نقاشات حول أمن الجنوب السوري، يمكن أن يتحول إلى مدخل لإعادة تقديم الدولة السورية بوصفها طرفاً قادراً على استعادة زمام المبادرة الأمنية، وبناء مقاربة جديدة تقوم على فرض سيادة القانون، وإنهاء مظاهر السلاح المنفلت، وتفكيك البؤر التي تنشط فيها التنظيمات المتطرفة وشبكات الجريمة المنظمة.
لكن استثمار هذا الزخم لا يتحقق بالخطاب الإعلامي وحده، بل يحتاج إلى ترجمة عملية على الأرض، فالمعيار الحقيقي لاستعادة الثقة ليس عدد التصريحات السياسية ولا حجم الحضور الإعلامي، وإنما قدرة المؤسسات السورية على بسط سلطتها الفعلية في محافظات درعا والسويداء والقنيطرة، وضمان عدم وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، ومنع استخدام الأراضي السورية في تهريب المخدرات والأسلحة أو التخطيط لعمليات تستهدف دول الجوار.
وبالنسبة للأردن، فإن استقرار الجنوب السوري ليس مسألة تضامن مع دولة جارة فحسب، بل هو مصلحة أمن قومي ترتبط بصورة مباشرة بأمن الحدود الشمالية، ومكافحة الإرهاب، ومواجهة شبكات المخدرات والتهريب، وحماية المجتمع الأردني من تداعيات الفوضى الإقليمية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن ترك الجنوب السوري في حالة من السيولة الأمنية لا يؤدي إلى إنتاج استقرار مستدام، بل يخلق بيئة خصبة لتعدد مراكز القوة، وتداخل المصالح المحلية والإقليمية، ونمو الجماعات التي تتغذى على غياب السلطة المركزية، وفي مثل هذه البيئات، لا تتوقف التهديدات عند الحدود الجغرافية، بل تنتقل عبر شبكات عابرة للحدود يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية وحدها.
ومن هنا، فإن المصلحة الأردنية تقتضي الانتقال من إدارة التهديدات الأمنية على نحو متقطع إلى بناء منظومة تعاون أمني مؤسسية ومستدامة مع دمشق، منظومة تقوم على تبادل المعلومات الاستخبارية، والتنسيق الحدودي، وملاحقة الشبكات الإرهابية والإجرامية، وإنشاء قنوات اتصال مباشرة للتعامل مع الأزمات الطارئة، بما يمنع تكرار الأحداث التي تضع العلاقات الثنائية أمام اختبارات سياسية وأمنية معقدة.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا التوجه باعتباره تدخلاً في الشأن السوري أو انتقاصاً من سيادة الدولة السورية، بل على العكس؛ إن تمكين الدولة السورية من ممارسة سيادتها الفعلية على كامل أراضيها، وضبط السلاح، واحتكار القرار الأمني والعسكري، يمثل مصلحة سورية قبل أن يكون مطلباً أردنياً، فالدولة القادرة على ضبط حدودها وحماية مجتمعها هي الدولة الأقدر على بناء علاقات متوازنة ومستقرة مع جيرانها.
وفي المقابل، يتعين على دمشق أن تدرك أن أمن الأردن ليس ملفاً ثانوياً في علاقاتها مع محيطها العربي، وأن استقرار الحدود الجنوبية السورية يشكل مدخلاً أساسياً لاستعادة الثقة السياسية والاقتصادية مع عمان، فالأردن لا يبحث عن جنوب سوري خاضع لمعادلات النفوذ المتعددة، وإنما عن جنوب مستقر لا تُستخدم أراضيه للإضرار بأمن المملكة، كما أن هذه المعادلة تحمل أبعاداً اقتصادية لا تقل أهمية عن أبعادها الأمنية؛ فاستقرار الجنوب السوري يعني إعادة تنشيط حركة التجارة والنقل البري، وتعزيز فرص الربط الاقتصادي بين البلدين، وفتح آفاق أوسع لحركة التبادل التجاري والاستثمار وإعادة الإعمار. ولا يمكن تصور استعادة الدور الاقتصادي لمحور عمان–دمشق–بيروت دون بيئة أمنية مستقرة في الجنوب السوري.
إن المطلوب اليوم هو تحويل الاهتمام الإعلامي الذي أعقب عملية الردع إلى فرصة لإطلاق مسار سياسي وأمني جديد، يتجاوز ردود الفعل إلى بناء تفاهمات طويلة الأمد، وهذا يتطلب من الحكومة السورية تقديم خطوات ملموسة تؤكد قدرتها على ضبط الجنوب، كما يتطلب من الأردن مواصلة الانخراط الدبلوماسي والأمني الذي يحمي مصالحه ويعزز استقرار جاره.
وفي المحصلة، فإن الجنوب السوري يقف أمام اختبار حقيقي؛ إما أن يتحول إلى مساحة تستعيد فيها الدولة السورية حضورها وسيادتها، وتكون جسراً للتعاون والاستقرار الإقليمي، أو أن يبقى ساحة مفتوحة لتنازع القوى والجماعات المسلحة، بما يحمله ذلك من تهديدات تتجاوز سوريا إلى محيطها.
أما الأردن، فليس معنياً فقط بما يحدث خلف حدوده، بل بما ستؤول إليه طبيعة الدولة والسلطة والأمن في الجنوب السوري، فالأمن الوطني الأردني يبدأ من الداخل، لكنه لا ينفصل عن استقرار الجوار، وإن استقرار الجنوب السوري ليس هدية تقدّمها دمشق للأردن، بل مصلحة مشتركة ومسؤولية سياسية وأمنية، وأي استثمار حقيقي في هذه المنطقة يجب أن يبدأ من إدراك حقيقة واحدة: لا يمكن بناء استقرار إقليمي مستدام في ظل حدود مفتوحة على الفوضى.