facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss




الاستلاب البصري في قصّة "أسنان ملحية" للدكتور سعيد السيابي


‏جمانة الطراونة
31-10-2026 11:48 PM

تأتي قصة (أسنان ملحية (للكاتب العُماني الدكتور سعيد السيابي المنشورة ضمن مجموعته القصصية التي حملت عنوان (اثنتا عشرة نجمة)، الصادرة بطبعتها الأولى عن دار الآن ناشرون وموزعون عام 2026، نموذجا أدبيا يبحث في كوامن النفس البشرية، ليرصد تحولاتها من خلال الصراع بين الأنا، والذات، والآخر في رحلة بطل القصة (حسن)، لإثبات وجوده والدفاع عن هويته من التشيّؤ، حيث أصبح يشعر أن جسده تحوّل إلى ماكينة عملت طويلا، وباتت بحاجة للصيانة واستبدال قطع غيارها.
- "أصبح يرى أن جسمه مثل ماكينة عملت طويلا، وأن وقت صيانتها واستبدال بعض القطع فيها بات وشيكا، إحساس مهيمن ببداية انهيار ذلك الجسم، مثل كل الأشياء التي أدت وظيفتها طويلا، ثم بدأت تتأكل ببطء"(السيابي،2026).

- "...لقد كبرت يا حسن ولم يعد بوسعك تأجيل زيارة الطبيب، ليستل عضوا آخر من جسمك، ولتنتقل خطوة جديدة نحو الخردة"(السيابي،2026).

تبدأ أحداث القصة ليلا عندما يشتد ألم الاسنان على بطل القصة (حسن)، الذي كان يكره ابتسامته بسبب لون أسنانه الصفراء، خصوصا عندما يقارنها بابتسامة صديقه (سيف)، أو يصدف ابتسامة (رونالدو) على لوحات الإعلانات الرقمية، وفي الوقت الذي يشتد به الألم ينسى أمر الابتسامة، ولون أسنانه، ولا يفكر إلا بالخلاص منها حتى لو كان الثمن خلعها، يقرر أن يتوجه إلى عيادة طبيب الأسنان، وهو أحد طلابه ، يقترح الطبيب أن يستبدل أسنانه بطقم أسنان اصطناعي متحرك، فتصبح ابتسامته جميلة بأسنان مرتبة ناصعة البياض، يندهش (حسن) من سماع ذلك، ويشعر بالضيق ويصطدم بالواقع...
- "طقم؟!، ردد حسن بدهشة ظهر معها وقع الكلمة المؤلم عليه، وغاص في الكرسي كمن يهرب من أمر ما (السيابي،2026).

تتقاطع وجهة نظر البطل في نظرته إلى جسده وردة فعل الطبيب مع الأطروحات السوسيولوجية الحديثة، وتحديداً مع ما ناقشه عالم الاجتماع الفرنسي ديفيد لو بروتون (David Le Breton) في مؤلفه (سوسيولوجيا الجسد)، حيث يرى أن الإنسان المعاصر في المجتمعات المادية أصبح ينظر إلى جسده كأداة منفصلة عن هويته الإنسانية، تخضع لعمليات التقييم، وبحسب (بروتون) أن الممارسات الحديثة حولت الجسد الى عضو زائد معزول عن هوية الفرد الذاتية، مما جعل علاقة الإنسان بنفسه علاقة اغتراب، ويضيف أن الرؤية الطبية المعاصرة تتبنى منهجية تعزل الجسد كليا عن أبعاده الإنسانية، باعتباره آلة ميكانيكية مجزأة إلى وظائف، وأعضاء قابلة للانفصال والتبديل، وقد أدى نزع القدسية من الجسد إلى تحويله لأشياء وبضائع خاضعة للتقييم والتداول .
تفقد (الذات) التي تمثلت بالأسنان الصفراء كواقع غير مرغوب به كما يصورها (السيابي) كينونتها الأصلية التي فطر الإنسان عليها، لتتحول إلى منتج استهلاكي، يتطلب الصيانة المستمرة لنيل القبول الاجتماعي، والتخلص من الشعور بالنقص، وعندما اقترح الطبيب تركيب طقم الأسنان الاصطناعي شعرت (الأنا) بالصدمة لأنها رأت في الطقم الاصطناعي اعترافا صريحا بتقدم السن، بفقدان جزء من الجسد (الأسنان الحقيقية) الذي يمثل (الهوية)، فكان الرفض كآلية دفاعية لتبديد الخوف من شبح الشيخوخة.
- "أسنان اصطناعية عبارة لم يتوقع حسن سماعها على الأقل ليس في الزيارة الأولى للعيادة"(السيابي ،2026).

بعد الاصطدام بالواقع، تستسلم (الأنا) وتدرك أن التمسك بالأسنان الصفراء التي تمثل (الذات المستهلكة غير المرغوب بها) تسبب لها الألم، فتتنازل عن جزء من أصالتها (الهوية)، وهي الأسنان الطبيعية، من أجل الحصول على أسنان اصطناعية بيضاء، تتقبلها وتسعد بها، بالرغم من أنها مزيفة وغير حقيقية.

- " شيء من الحماسة مسّ قلبه هذه المرة، هذا يعني ابتسامة آسرة تشبه ابتسامات المشاهير، ابتسامات جاهزة، مضمونة ودائمة، تجعل المرء يبدو أصغر عمرا وأكثر جاذبية، وغالبا يصبح محبوبا اجتماعيا وهي معلقة على وجهه" (السيابي،2026).

- "كان قلقا، هل فعلا منحه الطبيب ابتسامة جديدة جذابة، وكيف سيستقبله الناس بوجهه الجديد؟ من كان يعرفه سيدرك أن ابتسامته ليست أصلية إنما اصطناعية ... قال لنفسه يطمئنها: لا بأس، سيعتادون في النهاية على الوجه الجديد " (السيابي،2026).

- "ظهرت أسنانه البيضاء المصفوفة...زاده ذلك حماسة لتوسيع ابتسامته...قلب وجهه أمام المرآه حتى يرى ابتسامته من جميع الجوانب" (السيابي 2026).

برغم من أن ابتسامة (حسن) مزيفة وغير حقيقية، إلا أنه كان سعيدا بها، فمظهره الآن يمنحه الثقة بالنفس، ويلفت انتباه الجميع له مما يجعله يتمتع بالقبول الاجتماعي.

- " في تلك اللحظة لم يكن هناك ما يهم، فهو على موعد وشيك ليلاقي العالم بابتسامة جديدة" (السيابي،2026).
إن المقارنة بين ابتسامة (حسن) القديمة وابتسامته الجديدة التي منحته الثقة بالنفس وتقبل المجتمع له تحيلنا إلى نظرية الفيلسوف وعالم الاجتماع جي ديبور (Guy Debord) في كتابه (مجتمع الاستعراض)، فالبطل يقع هنا تحت وطأة استلاب بصري واجتماعي يفرضه مجتمع الصورة، حيث يرى ديبور أن الرأسمالية الحديثة أزاحت الوجود الإنساني الفعلي لصالح المظهر والتمثيل الزائف فما عاد المرء يُقيّم بحقيقته وإنما بما يستعرض به.
وقد استهل جي ديبور كتابه (مجتمع الاستعراض) بمقولة للفيلسوف الألماني (لودفيغ فورباخ) تحت عنوان (الانفصال المكتمل) يقول فيها:" لا شك أن عصرنا.. يفضل الصورة على الشيء، والنسخة على الأصل، والتمثيل على الواقع، والمظهر على الوجود، وما هو مقدّس بالنسبة له ما هو إلا الوهم، أما ما هو مدنّس فهو الحقيقة، وبالأحرى ما هو مقدس يكبر في عينه بقدر ما تتناقض الحقيقة، ويتزايد الوهم بحيث أن أعلى درجات الوهم تصبح بالنسبة له أعلى درجات المقدس"
وفي معرض حديثه عن السلعة بوصفها استعراضا يستند ديبور لمقولة (جورج لوكاش) في كتابه (التاريخ والوعي الطبقي):" لأنه لا يمكن فهم السلعة بجوهرها الأصيل إلا بوصفها مقولة عامة للوجود الاجتماعي الكلي، وفي هذا السياق وحده يكتسب التشيؤ الناشئ عن العلاقات السلعية دلالة حاسمة بالنسبة للتطور الموضوعي للمجتمع، وكذلك بالنسبة للموقف الذي يتخذه الناس إزاءه، أي بالنسبة لإخضاع وعيهم للأشكال التي يعبر بها هذا التشيؤ عن نفسه"
يخوض (حسن) التجربة من أجل الحصول على تعبيرات وجه نموذجية ليكون مقبولا في مجتمعه، وهذا ما تحقق بالفعل.
- "في البيت استقبلته زوجته ... ابتسمت له، فرد عليها بابتسامة أبهرتها، وجعلتها تعانقه وتهمس في وجهه: ما أجملك!" (السيابي 2026).

- في المدرسة قابل المعلمين بكل ثقة، شاعرا بأن شيئا ما غادره بهدوء وبلا رجعه، وإن إنسانا جديدا ولد للتو بأسنان ملحية" (السيابي،2026).
ومن تضاد ثنائيتي القديم والجديد ينتقل البطل بسيارته القديمة المتهالكة إلى حي عيادات الأطباء الأنيق، حيث يضعنا الكاتب أمام فضاء مكاني نستطيع أن نستشف منه بنية تعزيز الفجوة النفسية والطبقية على مستوى الأشخاص والأشياء، لتفضي إلى بنية أخرى تتحول فيها صالة الانتظار في العيادة التي من المفترض أن تكون مكان الشفاء لتصبح أقرب إلى ما يشبه المذبح الذي يسلّم فيه (حسن) نفسه برغبة منه دون إجبار..

- "دخل مستسلمًا إلى المذبح كما شُبّه له" (السيابي،2026).
وتبرز ذروة المواجهة عند التقائه بالطبيب الذي كان يوماً ما أحد تلاميذه، حيث تنكسر الرمزية الأخلاقية المعتادة للمعلم أمام عجرفة الطبيب، ونبرته الجافة في مشهد يقف به الأستاذ أمام تلميذه في عالم تحكمه المادة ولغة الأرقام، والتجارة، والتسليع، وأسعار المواد، يطرح الطبيب عدة خيارات مكلفة يوافق (حسن) على الخيار الثالث المتمثل في خلع الأسنان بالكامل، واستبدالها بطقم اصطناعي متحرك ، وهو المقترح الذي يتماشى مع مفهوم الاصطناع (Simulacra) الذي فكّكه الكاتب السوسيولوجي جان بودريار (Jean Baudrillard)، في كتابة (المصطنَع والاصطناع )حيث يسعى الطب الحديث لإلغاء العضو الحقيقي (أسنان حسن)، واستبدالها بمنتج اصطناعي ليحل القناع الجاهز المصطنع (طقم الأسنان) مكان الأسنان الأصلية المشوهة.
إن مفهومي (اختفاء الواقع) و(فوق الواقع) أكثر ما اشتهر به بوديار، حيث يعزو اختفاء الواقع إلى حقيقة غياب العلاقة بين الدال والمدلول، وعليه يعتبر بوديار أن العالم أصبح مجرد صورة نقلا عن صورة نقلا عن صورة...، وأصبح العالم مجموعة من عمليات الاصطناع، والصور، بلا صلة أو علاقة أو مرجعية مع أصل محدد في الواقع، إذ تصبح المصطنعات (الصور) هي المهيمنة، أما الواقع فهو محجوب ومختفٍ، وبذلك ضاع مبدأ الواقع في متاهة المصطنعات اللامتناهية، المتخيلة، الوهمية .
خلاصة القول، إن مصطلح (فوق الواقع) أو المصطنع عند الفيلسوف جان بوديار يدمر كل ما هو واقعي، بحيث لا يعود هناك وجود لشيء حقيقي مستقل بذاته، حيث يصبح كل ما حولنا عبارة عن نسخ وصور مصنعة، أما الرمز الذي كان يعبر عن حقيقة موجودة في الواقع فلم يعد اليوم كذلك، إذ أصبح يمثّل نفسه ويعبّر عن ذاته ، فأسنان البطل (حسن) الاصطناعية لم تعد حقيقية، وعندما نتحدث عنها، أو نصورها فإننا نتحدث عن واقع جديد لا يمت للواقع الأصل بأية صلة.
ورغم الدهشة والصدمة الأولى التي يعيشها (حسن) إثر سماع كلمة (طقم) فإنه يتراجع طوعا، ويصغي لأوامر الطبيب، معزّزا ذلك بما استقر في وعيه الداخلي بأن كبر في السن بدليل أن ركبته وصوته وذاكرته لم تعد كالسابق، فيقبل موعد الخلع ويخرج وعبارة الممرضة تتردد في رأسه:
- "لا تنس الغرغرة بالملح"(السيابي،2026)
لتكون بمثابة تطهير للذات القديمة (الأسنان المتهالكة) استعداداً لارتداء القناع الجديد.
ينطبق على (حسن) مفهوم (سوء النية) في الفلسفة الوجودية لجان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) في كتابه (الوجود والعدم) وهو حسب سارتر: "الكذب على الذات داخل وحدة الشعور المفرد، فبواسطة سوء النية يحاول الشخص أن يتهرب من الحرية والمسؤولية.." ، وفي مشهد تسلمه لطقم الأسنان الجديد يقف (حسن) أمام المرآة، حيث يصاب بارتباك لعدم اعتياده على الابتسام بكل ثقة دون خجل، فيتدخل الطبيب: -
- "أرنا ابتسامة رونالدو يا أستاذ"(السيابي2026 )

يسبق الوجود الماهية في الفلسفة الوجودية، وهذا يعني أن الإنسان يوجد أولا في هذا العالم، دون أن يكون له هدف محدد مسبقا، أو شكل مفروض يجب أن يكون عليه، أو صفات ثابته مخصصة له، بعد ذلك، من خلال حياته وأفعاله وسلوكياته واختياراته الحرة، يبدأ الإنسان في صنع ماهيته (هويته، وقيمته، وشخصيته...)
وُجد حسن أولاً في العالم بأسنانه الطبيعية الصفراء، حيث أن هذا هو واقعه الوجودي، وفقاً لـ (سارتر)، وهو حر تماما، ولديه القدرة والمسؤولية الكاملة في اختيار نظرته لنفسه، فإما أن يتقبل أسنانه الصفراء كجزء من هويته، أو أن يواجه المجتمع بثقة دون الاكتراث بما يقولون، أو أن يتعامل معها كعامل يدفعه لتطوير نفسه، والانشغال بما هو أهم من ذلك، فلدية خيارات متعددة....
عندما شعر (حسن) بالخجل من مظهر أسنانه، تملكه قلق تمثّل بعدم قبول المجتمع له بسبب مظهره برغم من أن ذلك قد يكون ما يدور في حسبانه هو فقط، وبدلا من أن يصنع ماهيته بنفسه( القيمة ، الشخصية ، الهوية) ، لجأ إلى (سوء النية) - بحسب سارتر-، فذهب للطبيب وتنازل عن جزء من هويته التي تمثلت بأسنانه الحقيقية، ليحصل على أسنان اصطناعية بيضاء ومثالية ،كلّ ذلك من أجل أن يجاري القوالب الجاهزة التي يفرضها المجتمع للجمال، ومن أجل أن يتقبله المجتمع، فقد تنازل عن حرية الاختيار، وتحمل المسؤولية عن شكله الطبيعي، واستبدل وجودا زائفا حسب ما يريده الآخرون لا حسب ما ينبع من ذاته.
تنتهي القصة بمفارقة موجعة تكرس مفهوم الاغتراب الإنساني، وسط المجتمع المحيط بحسن، متمثلاً في انبهار زوجته وعناقها له
- "ما أجملك يا حسن" (السيابي،2026)
ودهشة زملائه المعلمين وثقته بنفسه، حين انبهروا بقطعة مزيفة مصطنعة، ولم يلتفتوا إلى الانهيار الداخلي لـ (الذات) وخسارة أسنانه الأصلية، حيث نال البطل اعجاب المجتمع بسبب قبوله التخلص من جزء من جسده، هذا الاستسلام الذي يصفه عالم النفس د. مصطفى حجازي في دراسته (التخلف الاجتماعي مدخل الى سيكولوجية الإنسان المقهور) كآلية دفاعية يلجأ إليها الفرد ليحتمي بالنموذج السائد ويتجنب النبذ.
يقول الدكتور مصطفى حجازي:" إن الكثير من التصرفات الاستعراضية التي تشيع في البلدان النامية تهدف بالتحديد إلى التستر على عقدة العار خصوصا الاستعراض الاستهلاكي، يأتي بعده كل أشكال الادعاء والتبجح وخداع الآخرين..، إن إنسان العالم المتخلف هو أسير المظاهر مهما كانت سطحيتها مادامت تخدم غرض التستر على عاره الذاتي"
ويتوج ذلك بعبارة الكاتب د. سعيد السيابي الختامية المكثفة بأن:
- " شيئاً ما غادر البطل بهدوء وبلا رجعة وأن إنساناً جديداً ولد للتو بأسنان ملحية" (السيابي،2026).
لتظل القصة في جوهرها صرخة فلسفية تحذّر من تحول الكائن البشري في عصر الاستهلاك إلى مجرد (خردة) على حد تعبير الكاتب، يُعاد تدويرها لتلائم متطلبات المجتمع وقوالبه الجاهزة لمعايير الجمال.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :