facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سيادة القانون .. حين يتحول النص إلى سلاح


د. محمود أبو رمان
04-11-2026 11:37 AM

*بين عدالة النص ونزاهة التطبيق

ماذا لو كان أخطر ظلم يقع في الدولة ظلماً بمظهر قانوني كامل؟ قراراً صدر بنص، وإجراءً سار بأصوله، وخصومة أُقيمت بسند، بينما الغاية منها لم تكن العدل بل الانتقام أو المنفعة؟ هنا يصبح النص الصحيح في يد صاحب نية فاسدة أداة ظلم لا أداة إنصاف.

ليس كل من استخدم القانون قد أقام العدل، وليس كل من استند إلى نص قد أنصف. فالفارق كبير بين تطبيق القانون واستغلاله لتحقيق مصالح شخصية أو تصفية حسابات.

*القانون أولاً: ميزان لا امتياز*

تختصر كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني، حفظه الله، هذه الفلسفة في قوله: «لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أياً كان، والقانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً». وهي تؤكد أن القانون مظلة للجميع وميزان للحقوق والواجبات، لا امتياز لفئة دون أخرى.

وسيادة القانون لا تتحقق بمجرد وجود النصوص أو الاستناد إليها، وإنما بنزاهة تطبيقها واحترام غاياتها والتجرد عند إنفاذها. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين تطبيق القانون والاحتكام إلى نصوصه من جهة، والعزف على مواده لتحقيق مآرب شخصية أو دوافع انتقامية من جهة أخرى.

حين يصبح النص ستاراً

القانون لم يوضع ليكون سلاحاً في يد الخصوم، ولا وسيلة للبطش أو التضييق على الآخرين، وإنما لتحقيق العدالة وصيانة الحقوق والحريات. ومن أخطر صور الانحراف أن يتخذ الإنسان من النص ستاراً لغاية غير مشروعة، فينتقي من النصوص ما يخدم مصلحته، ويوظف الإجراءات بعيداً عن مقاصدها، ظناً منه أن مجرد الاستناد إلى القانون يمنح تصرفه صفة المشروعية. وهذا في جوهره تعسف في استعمال الحق، وانحراف بالسلطة والإجراء عن الغاية التي شُرعا لأجلها.

فالسلطة أمانة لا امتياز، والاختصاص قيد وضمانة لا تفويض مفتوح، والمنصب لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة ولا مبرراً للتعسف. وتقاس قيمة المسؤول بمدى تجرده من الأهواء، واحترامه لحدود صلاحياته، وقدرته على إنصاف الآخرين حتى لو جاء ذلك على حساب موقفه الشخصي.

درس عمر: مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل

ولعل من أبلغ ما قيل في هذا المعنى رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إلى أبي موسى الأشعري في القضاء:

«ولا يمنعنك قضاءٌ قضيته بالأمس، فراجعت فيه نفسك، وهُديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل».

إنها قاعدة خالدة لا تقتصر على العمل القضائي، بل تؤسس لثقافة أخلاقية قوامها أن الرجوع عن الخطأ فضيلة لا انتقاص من الهيبة. فما قيمة السلطة إن لم تقترن بالقدرة على مراجعة الذات؟ وما قيمة القرار إذا تمسك صاحبه به رغم تبين خطئه؟ إن الاعتراف بالخطأ وتصحيحه لا يتعارضان مع العدالة، بل يعززان الثقة بالمؤسسات، ويؤكدان أن الغاية هي الوصول إلى الحق لا الانتصار للأشخاص.

أمانة العدل مسؤولية الجميع

وهذه الرسالة ليست للقاضي وحده، بل لكل من يتولى الفصل بين اثنين أو يتخذ قراراً يمس حقوق الآخرين ومصائرهم. فكل من أُوكلت إليه مسؤولية الحكم أو تقدير الحقوق يحمل أمانة العدل وإن لم يكن قاضياً بالمعنى القانوني: الأب حين يفصل بين أبنائه، والمسؤول حين يقرر في حقوق مرؤوسيه، وكل صاحب ولاية يتصرف في شؤون غيره، جميعهم مطالبون بالإنصاف والتجرد وتحري الحق.

والصدق والأمانة والنزاهة ليست قيماً منفصلة عن القانون، بل هي الضمانة الحقيقية لعدم انحراف تطبيقه. فالقانون بلا ضمير قد يتحول إلى أداة إضرار، والسلطة بلا أمانة قد تصبح وسيلة استبداد، والإجراء بلا عدالة قد يخفي خلف شكله القانوني ظلماً حقيقياً.

*خاتمة: الحل في ثلاثة مسارات*

العدالة ليست أن تمتلك القدرة على إنفاذ ما تريد، وإنما أن تمتلك الأمانة في إنفاذ ما يجب. وليست القوة في التمسك بالقرار رغم ظهور الخطأ، بل في الانتصار للحق ولو خالف رأيك ومصلحتك.

والحل لا يكون بالوعظ وحده، بل بمنظومة متكاملة تقوم على ثلاثة مسارات:

أولاً:رقابة قضائية فاعلة تفحص الغاية من القرار والإجراء لا شكله فقط، وتردّ كل تعسف أو انحراف في استعمال السلطة أو الحق.

ثانياً:تسبيب القرارات وإتاحة سبل المراجعة والطعن بيسر، بما يشجع على العدول عن الخطأ ولا يعدّه انتقاصاً من الهيبة.

ثالثاً:ترسيخ ثقافة النزاهة والمساءلة في الإدارة والمؤسسات، بحيث يكون المسؤول أول الخاضعين للقانون وأشدهم حرصاً على صون مقاصده.

وفي هذا كله نستظل بالقيادة الحكيمة لجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، حفظه الله ورعاه، التي جعلت من سيادة القانون واستقلال القضاء وبناء دولة المؤسسات نهجاً ثابتاً.

فعلى هذا النهج الهاشمي نمضي: قانون لا تحكمه الأسماء والمناصب والنفوذ، ولا تعبث به الأهواء والمصالح، بل تحكمه العدالة وتصونه الأمانة، ويظل الإنسان وكرامته وحقوقه غايته ومقصده.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :