أمريكا تخلع الأحمر وترتدي الأزرق
كامل الروضان
04-11-2026 11:40 AM
لم يكن ما شهدته الولايات المتحدة في انتخابات التجديد النصفي مجرد تبدّل في الأغلبية البرلمانية، بل تحوّلاً سياسياً يحمل دلالات عميقة على طبيعة المزاج الشعبي الأمريكي، وحدود التفويض الذي يتمتع به الرئيس، وقدرة المؤسسات الدستورية على إعادة رسم موازين السلطة. فالولايات المتحدة التي منحت الجمهوريين فرصة الإمساك بمفاصل السلطة التشريعية، عادت لتمنح الديمقراطيين مفاتيح الكونغرس بمجلسيه، في رسالة انتخابية يصعب على البيت الأبيض التعامل معها باعتبارها مجرد خسارة عابرة.
ما يلفت الانتباه أن الديمقراطيين لم يحققوا انتصارهم في بيئتهم الانتخابية التقليدية فحسب، بل نجحوا في اختراق ولايات كانت تُحسب على المعسكر الجمهوري. وهذا التحول يكشف عن تصدّع في التحالف الانتخابي الذي أوصل ترامب إلى السلطة، وعن انتقال شريحة من الناخبين من التصويت على أساس الولاء الحزبي إلى محاسبة الإدارة على نتائج سياساتها. فغلاء المعيشة، والقلق الاقتصادي، والفساد، وتداعيات الحرب مع إيران، لم تعد ملفات منفصلة، بل اجتمعت لتشكّل حكماً شعبياً على أداء الإدارة وأولوياتها.
داخلياً، يجد ترامب نفسه أمام واقع سياسي جديد؛ رئيس يحتفظ بالسلطة التنفيذية، لكنه فقد الغطاء التشريعي الذي كان يسهّل تمرير برنامجه. فالكونغرس ليس مؤسسة استشارية في النظام الأمريكي، بل شريك دستوري يمتلك سلطة التشريع وإقرار الموازنات والإنفاق، وفتح التحقيقات ومساءلة الإدارة. أما مجلس الشيوخ فيمتلك صلاحيات المصادقة على كبار التعيينات والمعاهدات. وبهذا المعنى، فإن خسارة الأغلبية ليست خسارة مقاعد فحسب، بل خسارة أدوات سياسية مؤثرة في إدارة الدولة.
ومن هنا تكتسب تصريحات ترامب بشأن استخدام الفيتو أهمية خاصة. فالرئيس يستطيع رفض مشاريع القوانين، لكنه لا يمتلك حق نقض أبديّاً؛ إذ يستطيع الكونغرس تجاوز الفيتو بأغلبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ. وهذه ليست ثغرة في النظام الأمريكي، بل جوهر فلسفة الضوابط والتوازنات (Checks and Balances)، التي تمنع انفراد أي سلطة بالقرار. فالبيت الأبيض يملك صلاحياته، والكونغرس يملك أدواته، والاحتكام في النهاية إلى الدستور.
أما في السياسة الخارجية، فإن التحول يضع قرارات الإدارة أمام رقابة تشريعية أكثر صرامة، خصوصاً في ملف إيران. فالديمقراطيون لا يملكون قيادة العمليات العسكرية، لكنهم يستطيعون مساءلة الإدارة عن أهداف الحرب وكلفتها، والتأثير في تمويلها، والضغط لمنع اتساع المواجهة. وقد يصبح استمرار الحرب عبئاً سياسياً واقتصادياً أكبر على ترامب، في وقت تتزايد فيه حساسية الأسواق تجاه أمن الطاقة ومضيق هرمز. فالتهدئة قد تخفف علاوة المخاطر في أسعار النفط، بينما يحمل التصعيد احتمالات اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار.
وفي إسرائيل، يضيف هذا التحول متغيراً جديداً إلى حسابات تشكيل الحكومة المقبلة. فالعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن ستبقى قائمة، لكن وجود أغلبية ديمقراطية في الكونغرس قد يجعل المساعدات العسكرية والسياسات الإسرائيلية أكثر خضوعاً للنقاش والرقابة، ويزيد الضغوط بشأن الحرب ومستقبل التسوية الإقليمية. وهو عامل لا يحسم شكل الحكومة الإسرائيلية، لكنه يضيّق مساحة تجاهل المواقف داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.
إن دلالة هذه الانتخابات تتجاوز انتصار حزب على آخر؛ فهي تؤكد أن النظام الأمريكي لا يمنح الرئيس سلطة بلا سقف، وأن الناخب قادر على إعادة ضبط موازين الحكم في منتصف الولاية الرئاسية. ترامب لم يخسر البيت الأبيض، لكنه خسر الأغلبية التي كانت تمنحه حرية الحركة. وبين رئيس يملك الفيتو وكونغرس يملك التشريع والرقابة والتمويل، تبدأ مرحلة جديدة عنوانها أن قوة الرئاسة الأمريكية لا تُقاس بما يعلنه الرئيس من صلاحيات، بل بما تسمح به المؤسسات الدستورية وموازين السياسة.