facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





ما بين الاستسلام والتسليم


د. عادل يعقوب الشمايله
17-03-2019 08:44 AM

يخلط الناس عادة، ما بين معنى كلمتي الاستسلام والتسليم، حيث يتم استخدامهما كمترادفتين، مع انهما ليستا كذلك. ونظرا للفارق الكبير بينهما، ولأهمية الفارق وأبعاده وتأثيراته، رأيت أن اخصص هذا المقال.
الاستسلام هو قرار تتخذه قيادة دولة عقب صراع سياسي سواءا كان الصراع خشنا (حرب)، او ناعما (دبلوماسي)، كما تتخذه قيادات الشركات المفلسة، وملاك المصالح التجارية المتعثرة، وشيوخ العشائر التي ارهقتها النزاعات، وشيوخ العشائر الذين يستمرؤون التبعية والذيلية، وفي احيان كثيرة يقرر الافراد العاديون الاستسلام. قرار الاستسلام، يبنى عادة، على حسابات وموازنة مع البديل وهو عدم الاستسلام. فعلى سبيل المثال استسلمت اليابان في الحرب العالمية الثانية بعد ان القت الولايات المتحدة الامريكية عليها قنابل نووية احدثت دمارا مريعا وضحايا بمئات الالاف. بعد هذا المشهد رضخ العناد الياباني المعزز بإقدام وشجاعة لا مثيل لها، لأنه استنتج أن البديل، وهو استمرار الحرب، قد يؤدي الى القضاء على وجود اليابان برمتها. قرار الاستسلام هذا وامثاله، يعكس إصابة ارادة المقاومة بالشلل التام. قرار المانيا بالاستسلام في الحربين العالميتين حدث أيضا بعد حسابات مماثلة عقلانية تماما. أما الاستسلام إثر صراع سياسي ناعم، فدليله تبدل موقف الحكومة الباكستانية، بعد أن هددها بوش باعادتها الى عصر ما قبل التاريخ اذا لم تتعاون مع امريكا في احتلالها لافغانستان. وسقوط الاتحاد السوفيتي وتفسخه واستقلال عدة دول كانت تابعة له دون أن يتعرض لحرب عسكرية تقليدية. وبدون ادنى شك، كان قرار القيادات العربية التي انهزمت، قبل أن تحارب عام ١٩٦٧، بالاستسلام، مبنيا على حسابات، ولكن مع فارق كبير. كان بامكان تلك القيادات، الاستمرار في الحرب، ولو أدى الى إحتلال القاهرة ودمشق. حدوث ذلك كان سيوزع الجيش الاسرائيلي على مساحات هائلة وفي مواجهة مباشرة مع عشرات الملايين من العرب الذين ستنطلق من بينهم مقاومة شعبية كفيلة على المدى الطويل بهزيمة الجيش الاسرائيلي وربما استسلام اسرائيل. هذه الحسابات لم تكن الخيار المفضل لدى القيادات الانقلابية العسكرية التي احتلت مصر وسوريا بعد مغادرة المحتل الاجنبي الارحم والاعدل والاكثرحضارية وانسانية. والسبب أن هذا الخيار كان يعني نهاية تلك الانظمة بعد احتلال اسرائيل للعواصم. لذلك اختارت بقاءها في السلطة، على المحافظة على سيادة دولها على أراضيها. لم يكن من بين القيادات العربية شارل ديغول الذي قاد المقاومة الفرنسية بعد احتلال باريس.
بعد أن بينت تعريف الاستسلام، سأعرف التسليم ومسبباته وأثاره. التسليم يمثل حالة قبول ورضوخ مطلق، رضائي وتلقائي، بدون مقاومة، وبدون حسابات، وإنما مقابل توقعات ووعود، واحيانا بدون مقابل. التسليم المعتاد ينطبق على تقبل أفكار ومقولات واساطير وحكم وانتماءات دون اخضاعها للتفكير والتحليل الناقد Critical thinking.
لا يتطلب حصول التسليم، او القبول بامور على انها مسلمات، الاقتناع. لان الاقتناع على ما يقدم من الادلة والبراهين. لقد سلم العرب بصحة وصدقية كل ما وصف عنترة نفسه به في قصائده، وكل ما روي عن ابي زيد الهلالي والزير سالم، دون ملاحظة ما تضمنته من مبالغات واكاذيب. بالمقابل، لم يؤد القاء موسى لعصاه امام فرعون اول مرة وتحولها الى حية تسعى، الى إقتناع فرعون بمصداقية موسى. فقد اعتبرها فرعون من اعمال السحر وفنونه المعتادة، وبالتالي لا تمثل دليلا على نبوة موسى وأنه رسول قوة خارقة. لكن موقفه تغير وتعامل مع موسى بجدية اكثر، بعد ان إبتلعت حيته، حيات السحرة، واقرار السحرة بالهزيمة.
يرتبط التسليم بالايمان الاعمى، وليس ايمان الوعي والقبول العقلي. التسليم الاعمى لم يقبل به الانبياء حسب ما جاء في القران. فبالرغم من تواصلهم مع القوة الغيبية، الا انهم لم يكونوا متأكدين من حقيقة وجودها، وطبيعتها، ومدى تطابق قدرتها الحقيقية مع ما تدعيه. لذلك، طلب ابراهيم من ربه أن يريه " كيف يحي الموتى". وعندما سأله ربه: أولم تؤمن؟ قال بلى، ولكن ليطمأن قلبي. فقط، بعد ان اجرى ربه تجربة عملية لاحياء الموتى، حصلت القناعة وتحقق الايمان لدى ابراهيم. كما طلب موسى من ربه أن يريه نفسه او وجهه. فبرهن له ربه عن حقيقة وجوده بإثبات اخر غير الذي طلبه موسى ولكنه اثبات مرئي لم يترك له خيارا غير الاقتناع. حتى حواريي النبي عيسى، رغم كل المعجزات التي شاهدوها وعايشوها معه، تجرأوا بالطلب من الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء تطمأن بها قلوبهم. في كافة الامثلة التي ذكرت، لم يغضب الله من طلب البرهان، بل استجاب بعد حوار بناء. اما النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فقد مثلت قصة الاسراء والمعراج البرهان الذي اطمأن به قلبه. وعلى خلاف ما سبق ذكره من السعي نحو الحقيقة والتغلب على الشك، فقد دعا الخليفة عمر ربه أن يرزقه ايمانا كأيمان العجائز ، بمعنى أنه اختار التسليم "هذا اذا كانت الرواية صحيحة". إلا أنه وبغض النظر عن مدى صحة الرواية، فإن علينا أن نتذكر، أن إيمان عمر في البدء لم يكن سهلا ولا تلقائيا، ولكنه حدث بعد سنوات من العدائية والمراقبة والمتابعة والتمحيص. إذا فدعاء عمر كان على الارجح توجيها للاتباع، بقبول ما استقر عليه الامر، أو أنه مجرد تلفيق نسب الى الخليفة العاقل، القاضي الذي لا يصدر احكامه بدون تفكر وتدبر وادلة. ما يستفاد مما تقدم، انه لا يجوز إعلان الاستسلام، أو القبول به، الا اذا كان لا سبيل ولا امكانية لدفعه الا بافدح منه، مما لا يمكن تحمله.
بعد هذه المقدمة، فإن الرسالة التي اريد إيصالها، هي أن أهم سبب لفشل الشعوب التي يطلق عليها الامة العربية والاسلامية، هو أنها اختارت التسليم، في مخالفة واضحة لسنة الانبياء. فثقافتنا بمكوناتها التاريخية والادبية والدينية والاخلاقية والسياسية والاقتصادية، وعاداتنا وتقاليدنا مليئة بالمسلمات. معظمها اساطير تلقاها الاجداد فالاباء، ثم مررت عبرهم، وعبر الاصدقاء، وخطباء المساجد، والمناهج المدرسية دون ان يخضعها لا الناقلون ولا المتلقون، للنقد والتحليل والتوثيق والاثبات. ولأنه تم التعامل مع مكونات الثقافة كمقدسات ، فقد علت على سلطان العقل رغم أن أغلبها غث لا يجوز لامتنا ان تحتفظ به، لأنه يمثل عقبة حقيقية في طريق التقدم، ويسجنها في خيمة الماضي منذ بداية ملك الامويين الذي ليس فيه ما يسر. لقد ادى التمسك بتلك الثقافة التطويعيه، التخضيعية الى الارتماء تحت اقدام الحكام المستبدين وتمجيدهم وبفتاوى من شيوخ السلاطين. ومن اجل تثبيت اقدام الحكام الطغاة حتى من غير العرب، وتثبيت سلطة تجار الدين، جرى تجهيل متعمد للسكان وحولوا الى رعية تولد وتموت في الزرائب كما الاغنام .
معسكر المنتفعين من الاساطير والمعتاشين عليها، هم من يخاف من نور العقل وتدخله في غربلة التراث وتنقيته، وتوظيف ملكة النقد والتقييم التي مارسها القران تعليما وتأهيلا للمؤمنين به. ولذلك فإنهم يسارعون الى التبرير والتكفير والمعارضة والتحريض ضد من يدعو الى النهوض ليس من الكبوة، بل من الحفرة ذات القرار المكين التي رموا بالامة فيها ، ويخطأون كل من يدعو لمغادرة الكهوف وتركها للعناكب والحشرات والثعابين، التي لا تصلح لمن إختاره الله خليفة في الارض، وزوده بالعلم من اللحظة الاولى، العلم الذي لم يتح للملائكة المقربين، حسب ما جاء في القران. كانت نتيجة اصرار المتاجرين بالدين، من المحاربين القدماء والمحدثين، على التشبث بما لديهم من اساطير وخرافات، تقولوا فيها على الله ورسوله، هو ان صدق تصور الملائكة الاستعلائي والاستعدائي للانسان: اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟
حالة الخنوع التي يعيشها العرب والمسلمون لم تأت من فراغ. انها نتيجة مطارق الثقافة التي تتساقط على رؤوسهم دون توقف، تطالبهم من ناحية بالخضوع الكامل للحاكم مهما كان مستبدا وظالما، وفي الوقت نفسه، تطلب منهم غزو الفرس في ايران، والروم في اوروبا وامريكا، والكفار في الصين واليابان والهند. أن يغزو المتخلف الجاهل، الحفاة العراة من يزودهم بالدواء والغذاء واللباس وبالسبحة وسجادة الصلاة والدشداشه البيضاء.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :