facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





رحلة الناجي الوحيد من الموت !


محمد فهد الشوابكة
20-06-2020 07:54 PM

في إحدى لقاءاتي التي قمت بإجراؤها للوقوف على معاناة اللاجئين، استوقفتني قصة لشاب هرب من نيران القذائف التي كانت تتساقط كالمطر بجانب منزله، وتسلب منه كل يوم قريب أو حبيب ليجد نفسه وحيدا في النهاية !

فارقه الأهل والخلان، جثامينهم هوت عليها الجدران لتخفي معالمهم، لم يبقى منهم إلا قطرات دماء بريئة متناثرة على جدران محطمة، لا يستطيع أن ينقذ ما بداخلها بالرغم أنه سمع أنينهم ينبعث من تحت الركام، ليتلاشى شيئا فشيئا، ليخيّم السكون على المكان، ويبقى وحيداً يبكي لا يشاركه إلا صمت الجدران وثغاء نعجة تطلب رشقة ماء انهال عليها أحد الجدران، وشجرة انحنت لا تستطيع معانقة السماء ولا تقبيل الأرض التي نبتت منها !!

كان هدفي من مقابلة هذا الشاب الاطلاع على أحواله كلاجيء في ألمانيا، ولكن قال لي لا تسألني عن احوالي الآن وأنا أعيش حياة رغيدة أتمتع من خلالها بكافة وسائل الرفاهية، بل اسئلني لماذا أتيت إلى هنا ؟؟ وكيف أتيت ؟وكم عانيت قبل هذا الوقت في قريتي الصغيرة التي كانت آمنة مستقرة ؟ وكنت اعتبرها جنة الله على الارض إلى أن أصبحت أكره التفكير بها الآن !!

فذكرياتي ذهبت دون عودة ولم يبق منها شيئا، حتى صور أبي وأمي واخوتي وأقاربي وأحبتي لم تعد موجودة !!
أكلتها النيران وأصبحت رمادا، حتى جوالي الذي كنت أحتفظ فيه ببعض الصور لعائلتي أبت قسوة البشر أن تدعه لي، فقد سُرق مني على الرغم أن السارق يعلم مرارة ما مر بي أثناء رحلتي !

يتابع : في ليلة من ذات الليالي ذهبت لأحضر المازوت من إحدى محطات الوقود التي كانت تبعد تقريبا 3 كم عن منزلي، وأثناء عودتي شاهدت القذائف تنزل كما المطر على قريتي، فانقبض قلبي وعدت مسرعا، لأجد جميع المنازل مدمرة بالكامل ولم ينجو منها أحداً ولم يبق منهم أثراً، وأنا أصرخ وأبكي !!

لم يعد هنالك أثر لأحد؛ جميعهم ماتوا وتناثرت جثثم في المكان ودمائهم على الجدران.
صحيح أن الصدمة كانت كبيرة، لكن منظر الجثث الذي اعتدت عليه جعلني أكثر قوة، ولكن أي قوة وأنا أجمع جثامين أهلي بيدي لأُواريها تحت التراب، وهنا فقدت الجميع ولم يبقى لي أحد !

صدقني كنت أكلم الله في تلك اللحظات بقلب محروق وأقول له ما الجريمة التي اقترفناها ليحصل بنا ما حصل !!
وهنا أخذت قرار الهروب من الموت باحثا عن بلد آمن بعد أن بقيت وحيداً.
يضيف هذا الشخص الذي طلب مني عدم ذكر اسمه : قبل أن أغادر بلدي حاولت جمع بعض من المال وكلما تذكرت الطريقة التي جمعت بها المال أشعر بالحزن (وهنا رغرغت عيناه بالدموع لينهار بعدها ويدخل في موجة هستيرية من البكاء ففضّلت أن أبقى صامتا حيالها )، بعدها استجمع ما بقي من قواه ليفاجئني بالطريقة مكملاً حديثه :

عندما كنت أواري جثمان أمي تحت الثرى أخذت أخلع عنها بعض المجوهرات التي كانت تقتنيها وأيضا اخذت المجوهرات التي كانت ترتديها أختي الذي توفي زوجها كي تعينني في السفر، وعند الذهاب الى تركيا بعت المجوهرات، وأصبح لدي ما يقارب 4000 دولار، فحجزت تذكرة طائرة إلى الجزائر التي كانت تشترط على كل من يدخل أن يكون بحوزته 3000 دولار.
وبالفعل دخلت الجزائر حيث أرسلنا أحد الأشخاص إلى مجموعة من المهربين كي يرسلوننا إلى ليبيا عبر تونس ...
وفي تونس حصلت الكارثة التي لم أكن أتوقعها، حيث خرج علينا مجموعة من الأشخاص يحملون اسلحة وأخذوا كل ما لدي ومن معي من أموال، ولحسن الحظ كنت أخفي 1000 دولار في قبة الجكيت الذي كنت أرتديه، وأخذوا أجهزة الموبايل منا !
ورغم المعاناة التي عشتها ومن معي فقد استطعنا الوصول إلى ليبيا وتم التواصل مع المهربين والاتفاق معهم ليوصلوننا إلى ايطاليا، وتم الامر ودفعت المال للمهربين لنذهب في رحلة احتمال نسبة النجاة منها ضئيلة، ولكن بحمد الله وكرمه وصلنا إلى شواطيء ايطاليا بعد رحلة مدتها 28 يوم لم نغتسل خلالها ولم نبدل ملابسنا طوال الرحلة.
يسكت هذا الشاب برهة وكأنه يتأمل في قساوة القدر ورأفته في آن واحد، جامعا مشاعره المبعثرة هنا وهناك حملها معه في عقله الذي أصبح دفتر ذكريات ليقطع هذا الصمت قائلا: بعد وصولي إلى شواطئ ايطاليا ذهبت في رحلة جديدة مبنية على جراح وذكريات أليمة جبت بها دول أوروبا إلى أن وصلت إلى ألمانيا حيث سلمت نفسي إلى السلطات الالمانية كلاجئ، لتبدأ رحلة جديدة من مسيرة حياتي بدايتها جميلة ولكني لا أعرف إلى أين ستأخذني النهاية، وهل مركبي سيبقى طافيا على شواطئ الامان، أم أن هنالك رحلة أخرى تنتظرني لا ولا أعرف إلى أين تأخذه الأقدار !!

وهذه القصة مقتطف بسيط من البحث الذي أجريته عن اللاجئين الجزء المتعلق بي الناجون من الموت... ولنا وقفات أخرى مع حكايات من دفاتر لاجئين في ألمانيا.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :