facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





البترا .. مسار وادي صبرا ورفيقة الطريق


عبدالرحيم العرجان
23-10-2021 09:36 AM

استقبلتنا بلعبٍ بساحة الزوار مع الصباح الباكر، كلبةٌ لا نستطيع القول بالضالة، فقد كانت مؤنسة للناس ولكن بدون مأوى أو جهة تهتم بها، فرافقتنا بمسارٍ طويل، صعب التضاريس على مدى أربعة عشر ساعة، تارة ترشدنا وأخرى نتقاسم معها مياه الشرب وبعض الطعام.

بدأ المسار مع فتح باب زيارة أعجوبة العرب بالصباح الباكر، قاصدين وادي صبرا جنوب المدينة، سالكين درب المدرس من فوق جبال السيق، حيث عبر أجدادنا عرب الأنباط دروب شقها في ثنايا الصخر، ممهدين الطريق إلى المذبح بعد أن مررنا بعدد من المعالم من نقش الحية النادر، وبعض الواجهات والمساكن وسلسلة من الكوات ذات الرمزية الدينية، ومجموعات من الجرون الصغيرة كلعبة السيجة، وصولاً للمطل من فوق جبل الخزنة، المشرف على قلب المدينة، أما الكلبة البيضاء فقد كانت تتبعنا بهدوءٍ وصمت. فكلما مشينا أكثر، أصبحت تنسجم وتقتربُ منا أكثر فأكثر، وصولاً للمسلات أو المزاول المقرونة باسم عطوف، حيث نسب هذا الاسم إحدى المستشرقين.

كانت استراحتنا الأولى في المذبح؛ استعداداً لنزول وادي الحجيج "فرسا"، الذي تخلله سلسلة من المشاهدات المذهلة بفن العمارة النبطي من نافورة الأسد وذو الشرى، متربعاً بكتلته الصخرية ومشرفاً على الوادي الذي لا يقل جمالاً وأهمية عن أسود بابل المجنحة -حينما كانت تروي الحجيج بماء ينهمر من فم الهزبر- وقد تخلل الطريق منافذٍ وأدراج عمرها من عمر المدينة التي تجاوزت الألفين ومئتي عام، وصولاً لقصر البستان وبركته المعقودة على الأقواس ومن فوقه خروبة، سدٌ، وقصرٌ مذهل، مزركشٌ بوردية صخرية وكُرنيش، وأما من أمامه، فهناك قبر الجندي حيث يعلوه ثلاثة جنود بكامل لباسهم الأنيق وما تخلل الطريق من نقوشٍ وكتابات وكوات ومنافذ.

ومع نهاية الوادي بين صدعي الجبل، سلسكنا طريقنا بمجرى السيل الواصل بين جبليّ الحبيس وأُم البيارة الواصل للوادي لبدء رحلتنا من هناك، فهي مستوية عبر طريق ترابي يستخدمه الأهالي للمسير ووسائل النقل من "بيك اب ودواب"، مروراً بخزان الجن الجنوبي ونصب الأفعى المتربع على كتف الجبل وعدد من الواجهات على السفوح الغربية من الطريق، عابرين بيادر شعير قد جفت مع نهاية الصيف، وصولاً لمشارف غايتنا إلى وادي صبرا والكلبة ما زالت تتبعنا بهدوء.

انفتح أمامنا الوادي نحو الأفق البعيد، وجبال الشراة تحيط جانبية بشموخ، وهنا بدأنا بالنزول من ارتفاع 1080م عبر طريقٍ ترابيّ مُلون كالطيف، وقد تكون إحدى مصادر مواد الرسم والتزين في المدينة لنقائها وقوة ثباتها، وقال فيه إدوارد هل عام 1883م "يجب ألا نمر مرور الكرام على ألوان الحجر الرملي في منطقة وادي موسى، وذلك لبهية الحسن والجمال المتفرد فيما هو فيه وعليه، ولقد رأيت حجارة ملونة في الجزر البريطانية وأوروبا ولكنها لا تفوق ولا تتقدم على مثل هذه الألوان بالعمق والتنوع".

ومع وصولنا لقلب الوادي كانت قراءة المؤشر أننا هبطنا ثلاثمائة وخمسين متر، وأصبحنا ضمن حدود محافظة العقبة مع انتصاف النهار، لنكمل المسير بين أشجار البطم الأطلسيّ القديم، والدفلى بمجرى الوادي الواسع الذي كان يوماً محطة على طريق التجارة ومدخل المدينة الجنوبي الواصل إلى الحميمة ووادي عربة وقاع مريبد الذي يبعد عنا طريقه الإسفلت سبعة كيلو متر، قرب دلاغا حيث كانت تستريح فيه القوافل قبل دخولها البترا.

وقد أقاموا هناك عدد من المواقع للحصاد المائي الموسمي، ومدرجٌ مبني بمقاعد حجرية يتسع لخمس مائة شخص وما زالت اطلالة قائمة، واعلاه -عند التقاء الجبلين- سد ماء تجميعي وسلسلة من القنوات أسفل المقاعد، ومقابلة عدد من المباني وبركة ماء بين شجيرات النخيل، وفرض الأنباط رسوم وضرائب على تأمين القوافل وحمايتها من قطاع الطرق ومقابل العبور وخدمتها، ويمتد تاريخ الاسيتطان البشري بصبرا إلى العصور الحجرية حسب ما وجد فيه من لقي وقواطع وأدوات، وهناك كانت استراحة الغداء الرئيسية، تقاسمناه مع رفيقة الدرب والذي كان بعضٌ من المعلبات والماء بعد أخذ قيلولة.

أما بالعودة فقد سلكنا نفس الطريق صعوداً عبر الدرب الحاد، ومنه اتجهنا نحو وجهتنا الثانية، وهي جبل هارون الذي تحدثنا عنه سابقاً محددين ساعة الوصول مع حضور الغروب هناك بين جبال وادي عربة والأفق الغير منتهي.

وقبل قرنٍ ونصف لم يكن بالسهل السماح للغرباء بصعود هذا الجبل تحديداً، ومنهم المستشرق لابوردي 1827م وتبعة وروبنسون بعد عشر سنوات، حتى أن اللورد كيتشنز وارمسترونغ 1883م دفعا 34 جنيه للزيارة ليوم واحد وهو مبلغ كبير جداً بذلك الوقت.

وبعد الاستراحة، هممنا بنزول الجبل الصعب متكئين على عصي الارتكاز وكشافات الرأس التي تنير لنا الدرب، ومرشدتنا رفيقتنا التي أشارت بعصبية أن نتوقف وتابعنا أمرها لنرى أفعى بين الصخور! فقد يكون القدر قد سخرها لنا لهذه اللحظة.

ومع وصول قاعدة الجبل أصبح الطريق سهل الوصول، خصوصاً عند عامود فرعون خلف قصر البنت وقلب المدينة، عابرين السيق لغاية مركز الزوار حيث كافئنا رفيقتنا بوجبة معلبات، وقد حدثنا أحد أصحاب المحلات هناك أنها ترافق السياح يومياً وأصبحت معروفة في المكان وتوددها للناس وتلاطفهم، وبذلك نكون قد ختمنا مسارنا الصعب بقطع ثماني وثلاثين كيلومتر لنتجه بعدها إلى أحد الفنادق المطلة على جبال البترا حتى صبرا حيث كنا بجبل هارون.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :