facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





أودية الحياة ما بين الشوبك وعربة


عبدالرحيم العرجان
04-12-2021 12:49 PM

صخرة أدهشت كبير المستشرقين ومرافقيه قبل دخوله أُعجوبة العرب، في زمان كان الشرق دهشة، والبتراء عاصمة تجارتها وفخرها العربي التي تثير السحر في عيون زائريها.

بوادي عربة بعد مفترق دلاغة من البحر الميت بقاع مريبد، ستجد هناك صخرة يتربع عليها بناء نبطي نحت من أصلها، وقد اختلف أصحاب الفكر في غايته ولكن من المرجح أنه نقطة مراقبة وانتظار للقوافل القادمة من سيناء والساحل المتوسط قبل الإذن لها بدخول المدينة عبر وادي صبرا الذي نحن فيه.

حيث انتظر عندها الأكاديمي الملكي البريطاني للآثار والفنون ديفيد روبرتس ومن معه من مرافقي – جون بين وجون كنيير 1839م- لسماح لهم والأذن بالزيارة مدةٌ لا تتجاوز الخمسة أيام برفقة قافلته المؤمنة من الشيخ بن نجاد وقوامها 18 رجل و 25 راحلة، حيث رسم خلالها مجموعة مرجعية للمكان والتي أثارت شغف الباحثين عن روعة وجمال وكنوز التاريخ القديم، والتي من ضمنها الصخرة التي نحن عليها لتسمى باسمه نسبة للوحته، وهو المتعارف عليه بالمخيفر عند أهل المكان، إلا أن الفارق ما بين الرسم واليوم هو سقوط جزء يسير منها بسبب زلزال القرن الماضي.

ومن هناك انطلقنا عبر وادي صبرا وهو طريق المدينة الوردية الجنوبي، متخليين ما فيه من رسوبيات تجمعت من مختلف المصادر وصولاً لتفرغه مع وادي الراقي الذي بدأت معالم صخور الجرانيت الكرميدي تثير فينا دهشة المكان وسحر الطبيعة، وما تشكل منها من سداسيات منشورية على أثر التبريد السريع وتوريقاتها بخام الحديد المتأكسد وما فيها من مستحثات تعود جيولوجياً لعصر الأوليغوسين والتورتوني.

بالرغم من أنه وادٍ جاف إلا أن فيه من الحياة ما يكفي بأثر عين الماء الوحيدة الموجودة على مدخله والتي أصبحت قبلة الرعاة لسقاية ماشيتهم والاستراحة برحلتهم اليوم ما بين الذهاب والعودة، كان المسار فوق صخور جيرية بيضاء وحجارة رملية وطينية وما بينها من شظايا صوانة، تأخذك لارتفاع تدريجي دون أن تشعر به ومتعة تحديد طريقك بعفوية المكان مستعين بعصي الارتكاز لضمان التوازن، بين جبال تلامس عنان السماء وشعاب الوادي والسَيد وصولا لملتقي وادي التبن غايتنا الثانية لرحلتنا.

وعند التقائهما كانت استراحتنا وغذائنا من فواكه وفنجان قهوة، إلا أن مفاجئة الطبيعة ومصادفة حضور ولادة شاه وكيفية البحث عن مكان لعزلتها، إضافةً إلى القطيع الذي سلك طريق آخر لاعطائها هذا الحق بالفطرة، وهو الأمر الذي أكده صاحبها، فسبحان من خلق الحياء في مخلوقاته، وكيف استسلمت لراعيها حتى يساعدها، وفرحته وحمده لله بهذا الرزق.

حضور هذا الحدث بكل مشاعر الامومة التي تجلت أمام أعينا وهيا تلعق مولودها وتشد أزره حتى وقف على رجليه ليرضع من حليب ضرعها قد أثر بنا كثيراً، ويسمى أهل المكان العنز نسبة للونها أو صفتها، فالمولد شهبي للونه الأزرق المائل للرصاصي، والصبحاء أي البيضاء، أما من اختلط فيها الأسود مع الأبيض فتسمى بالبرقاء كما أخبرنا صاحبها، وأضاف أن حليب العنز أول أيام الولادة يسمى باليبى ويكون كثيف وغني بالفوائد بجانب طعمه الطيب والمميز.

بعد المباركة لصديقنا برزقه، تابعنا سيرنا نحو وادي التبن، فدخلنا سيقه بعد تجاوز عدد من الصخور المستقرة بقلبه نتيجة الانهيارات وقوة الأمطار بممره الضيق فوق جلاميد صماء ملونة، والتي فعل فيها مجرى السيل الموسمي أخاديد وعروق بحكم الطبيعة ومحاريب ولولبيات أثر قوة اندفاعه والتقائه عند الزوايا، إضافةً لصخور معلقة فوق الممر الوحيد بين شقي الصدع العظيم، وهناك كانت بقايا لهيكل عظمي لحمار قد مات محشور بين الصخور بعد أن انزلق في إحدى الممرات الضيقة التي لم يستطيع تخليص نفسه فيها، وما كان من طريق إلا المرور من فوقه.

شعور رهبة المكان عظيم فأنت والطبيعة وطاقة المكان تتخللك، وتذهلك إرادتها وكيف في صدوعها نباتات استمرت في حياتها متشبثة بذورها فترتوي من ماء الندى، أما دودة عصا موسى التي قد خرجت من مكمنها، وقد استخدمت في الطب الشعبي حيث كانت توضع فوق المكان الذي به قيح وصديد وتعمل على امتصاصه (دون أذى) اجزاء غيره وتغادره بعد انتهاء مهمتها، وأثبت علمياً أنها تفرز مواد تقتل البكتيريا الضارة وبلازما لمنع النزيف.

وللخروج من الوادي لقريبة الطيبة، توجب علينا صعود الجبل الحاد بفارق 480 م وتباين 750 م ما بين البداية ونقطة النهاية وذلك عند التقائه بوادي الطيبة، وهو الجزء الأصعب في مسارنا، الذي تخلله مدرجات من مساطب زراعية نبطية قديمة، للنهي مسارنا مع غروب الشمس عند التقاء الشفا فوق الوادي ومظهره المهيب واختلاط الغروب مع السحاب وانسلال أشعته بين الجبال الكرميدية، خاتمين بذلك 18 كم بنجاح بعيد عن ضوضاء المدينة وبمسار تجلت فيه كل معاير السياحة البيئية، واضعين بخطتنا العودة للمكان وإعادة المسار انطلاقاً من نقطة النهاية لاختلاف المشاهدات ما بين الذهاب والعودة.

وبعد أكناف الطبيعة، كان المبيت في "طيبة زمان" وهو فندق فاخر اتخذ من بيوت البلدة القديمة مقراً له بعد استحداثها وترميمها على أكمل وجه وبمواصفات عالية وخدمة الخمس نجوم الراقية، ليعاودك شعور بطاقة المكان بين جدران بنيت من حجر وطين مجبول بتبن من أصل الطبيعة وسقوف حملت على عقود وجذوع أشجار اللزاب التي عمرتها أيدي الأجداد، وبين بيت وآخر حواري ما زالت تحمل أسماء أهلها الحقيقين من أهل الطيبة والكرم.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :