facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من "الخضر" إلى "الخضر"


عامر طهبوب
16-03-2022 11:04 AM

تناولت إفطاري في صباح ممطر مصحوباً بنسمة باردة، في مدينة تتكلم حجارتها، تحاكي أهلها وضيوفها، يمكن لك أن تسمع صوتها إن كنت تجيد الإنصات، وإن كنت كثير الكلام، فإنها تلزم الصمت، والسلط تجيد الكلام كما تجيد الصمت. يمكن لها أن تناديك، وأن تحميك، وأن ترقيك، وإن أحببتها وشَعرَت بحبك، تناديك، وإن نشأت علاقة حب بينها وبينك، لا تستغرب أن تجدها ذات صباح تناجيك، وتطلب إليك أن تضع على خدّها قُبلة، وإن غدوت قِبلتها، فتحت لك ذراعيها، وقالت: حنانيك.

السحجة السلطية تطرَب لها حجارة المدينة الصفراء المقنطرة، وشوارعها المخنصرة، ومسار الوئام، وبيوت أهلها الكرام، أطلقوا في زمانهم على العريشة المسقوفة بأغصان الأشجار اسم القصر لا المضافة، وفي ساعات العصر تبدأ مراسم الضيافة، وتعلو ضحكات الرجال، وتمتمات النساء، وتُشعل نيران الحطب، ويُقرى الضيف باللحم والأرز والشراك والجميد والرطب.

ما أجمل ذلك الصباح الذي وصلت فيه بصحبة أصدقائي إلى السلط، اجتمعنا على مائدة الصديق مصطفى الريالات الذي صحبني وصديقنا المشترك المثنى عربيات، إلى أعالي جبال السلط، وإلى واديها، وإلى وادي حادي، وإلى بطن الوادي، تستلقي "عيرا" الوديعة البهية، الصلبة القوية، الراضية المرضية، وإلى دوار مدفع "عيرا"، وهناك في "عيرا"، يجب أن تتوقف، وأن تعظم السلام، وتستذكر الرجال الأبطال، ويعود بك الخيال إلى ليلة الحادي والعشرين من آذار عام 1968، خيال واقعي، أو واقع خيالي إن شئتم، هناك في "عيرا"، اختلط الواقع بالخيال، حيث تمركزت الأسود من الرجال.

لا يجوز نسيان ليلة الواحد والعشرين من آذار، لا يجوز نسيانها، لا يجوز اختزانها في ذاكرة معطوبة، أو قابلة للعَطَب، بل في خلايا ضد النسيان، وقصص التضحيات لا يجوز نسيانها، خير إرث يورث، وخير حصاد لتغذية جيل قادم، قاومت فقاوم. أسماء الشهداء تُحفظ في خلايا غير قابلة للمساس، لا يعنيها الطباق، ولا الجناس، ولا اللباس، يعنيها الجوهر، والمخبر لا المظهر، والأساس، والأساس هو الأرض، خلايا تحب الشهداء، تحتضنهم، تحميهم من نفسها، ومن صاحبها، تسترجع صوت شهيد صرخ يوماً في ساحات الوغى: "إلى واحد واحد، الهدف موقعي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، إرمي، إرمي، انتهى".
وضع الملازم أول "خضر شكري أبو درويش" جسده، بل روحه إحداثية نصر للمدفعية الأردنية المتمركزة في "عيرا": "إضرب، الهدف موقعي"، والحسين رحمه الله ينادي: "أيها الرجال في أرض المعركة، اقتلوهم حيث وجدتموهم"، و"خضر" رحمه الله يجد العدو وقد أحاطت به قواته، وهو يعمل ضابطاً في موقع ملاحظة في الشونة الجنوبية، ولمّا وجد أن العدو يحاصره، وخشي أن يستولي على اللاسلكي وخرائط وشيفرات التخاطب، أمر آمر المدفعية استهداف موقعه، وقصفه بالنيران، وخضر هو أحد أفراد عمومة الصديق فؤاد باشا أبو درويش.

وقفت على مدفع "عيرا"، التقطت صورة، قرأت الفاتحة، ابتسمت، عظمت السلام على أرواح الشهداء الكرام، وعلى أسود كانت تربض - كما قال الحسين رحمه الله - على أكتاف السفوح، وفوق القمم، كدت أسمع زغاريد نساء "عيرا" تتعالى تشجيعاً للنشامى، وصراخ صائد الدبابات عبد المهدي البقور، وحماسة الجنود في حماية الحدود، وأهالي "عيرا" جنود بلا أرقام، ينقلون المياه والغذاء، ويساعدون في نقل الآليات مع الجنود، بل كدت أشاهد يد الحسين رحمه الله، وهو يربّت على أكتاف الجنود في "عيرا" وقد وصل إليها ليشد أزر الأبطال.

لا يحق لأردني أن ينسى: "الهدف موقعي"، لا يحق لأحد أن ينسى، أو أن لا يتذكر، أو يفقد الذاكرة، وألف تحية لمعان الأبية التي أنجبت خضر، وألف رحمة ورحمه على روح حلقت نجمة أبدية في سماء الوطن، وقلبي على المدفعية، قلبي بأثر رجعي على المدفعية التي استجابت من مسافة غير بعيدة عن مقام النبي الخضر، لنداء الخضر، ونفذت الأمر، أمر طلب الشهادة، فكانت الشهادة، وكان النصر.

إذهبوا إلى "عيرا"، قفوا على منازل الشهداء، استرجعوا بطولاتهم، انتصروا بنصرهم، ترحموا على أرواحهم، تمثّلوا أفعالهم، تعلموا منهم، وعلموا أولادكم معنى الفداء، إياكم أن لا تتعلموا، أو أن تفقدوا القدرة يوماً، إذا مس وطنكم سوء، أن لا تتقدموا. وعندما تُعلّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل، علموهم أولاً الرماية ومعنى الفداء، ثم تأتي السباحة، والخيل، وركوب الخيل





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :